آخر الأخبار

المخطط التشريعي الحكومي …

المخطط التشريعي الحكومي: الأمن القانوني والحق في الاستدراك من استعادة التخطيط الحقوقي إلى رد الاعتبار للتنظيمات الذاتية

مصطفى المنوزي 

تُختبر جدية البرنامج الحكومي بقدرته على تحويل الوعود إلى اختيارات قابلة للتنفيذ والمساءلة ؛ ويحتل المخطط التشريعي موقعاً حاسماً في هذا الاختبار، لأنه يكشف تصور الحكومة للعلاقة بين القانون والمجتمع، أي كيف تُشخَّص الحاجة إلى التشريع ؟ ومن يشارك في تحديدها ؟ وكيف تُختبر قابلية النصوص للتطبيق وآثارها في الحقوق والمؤسسات؟ وما موقع الاستدراك حين تكشف الممارسة اختلالاً أو ضرراً لم يُحسن تقديره ؟
تبدأ القراءة الإبستمولوجية النقدية من مساءلة المعرفة التي يستند إليها التشريع. فاقتراح قانون يفترض فهماً للمشكلة، وكذا تمييزاً بين أسبابها ومظاهرها ، وقد يكون الخلل ناتجاً عن ضعف الموارد أو سوء التنظيم أو تعثر تنفيذ نص قائم، بينما يُعامل باعتباره فراغاً تشريعياً. وعندئذ يضيف القانون الجديد التزامات وتعقيدات دون أن يعالج أصل المشكلة.
لذلك، يقتضي الاقتدار التشريعي تبرير الحاجة إلى القانون، وأيضا مقارنة البدائل، وتقدير كلفة التنفيذ، والاستماع إلى المعنيين، ثم الاستعداد لمراجعة الفرضيات على ضوء النتائج. فالاستدراك المعلل تعبير عن مسؤولية معرفية وسياسية، وعن استطاعة كل المؤسسات على التعلم من آثار قراراتها.
ومن هذه الزاوية، يمكن طرح الحق في الاستدراك باعتباره مطلباً موجهاً للسياسة التشريعية ، أي تمثل حق المجتمع وجميع الفئات المعنية في طلب تقييم النصوص التي تنظم أوضاعها، وعرض أضرارها وصعوبات تطبيقها، والحصول على جواب معلل بشأن إمكان تصحيحها. ويستدعي هذا المطلب مسالك مؤسسية للاستماع والمراجعة، حتى لا يظل تصحيح الاختلال رهين الاحتقان أو موازين الضغط.
ويأتي الأمن القانوني في صلب هذا المنهج. فهو يرتبط بوضوح القاعدة، وإمكان العلم بها وفهمها، وانسجامها مع غيرها، وقابلية توقع آثارها بدرجة معقولة. ويحتاج المواطن والمهني والمؤسسة إلى معرفة ما يُطلب منهم، ومتى يصبح مطلوباً، وكيف يمكن الوفاء به، وما الضمانات المتاحة عند المنازعة فيه.
ويتعرض هذا الأمن للاهتزاز حين تتلاحق النصوص دون تنسيق، أو تُفرض التزامات يتعذر تنفيذها، أو يُترك الانتقال بين نظامين قانونيين لغموض التأويل. لذلك ينبغي أن يتضمن المخطط التشريعي تصوراً للزمن القانوني: آجالاً معقولة للاستعداد، ومقتضيات انتقالية واضحة، وموارد للتكوين، ونصوصاً تطبيقية متاحة، وتقييماً للجاهزية قبل ترتيب الجزاءات.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية التناسب بين الإجراء والغاية ؛ فكل شرط شكلي يحتاج إلى مصلحة يحققها، وكل جزاء يحتاج إلى تبرير يراعي أثره في الحق المعني. وهنا يقتضي الإصلاح الجيد فحص الضرر الفعلي، وإمكان التصحيح، والتمييز بين الامتناع عن الامتثال والعجز الموضوعي عنه. فلا تستقيم نجاعة الإجراء إذا انتهت إلى تعقيد الولوج إلى العدالة وإهدار الحقوق التي وُضع لتنظيم حمايتها.
ويتصل بذلك دور النصوص التطبيقية، وخاصة المراسيم، بوصفها مجالاً مؤثراً في تحديد شروط اشتغال القانون. ففي تفاصيل الإجراءات والآجال ووسائل التنسيق تتقرر جوانب مهمة من أثره العملي. ولهذا ينبغي أن يشمل تقييم الإصلاح القانونَ ومراسيمه معاً، وأن تُستثمر المساحة التي يتيحها التشريع لتيسير التنفيذ وتحصين الضمانات.
وهنا تبرز إمكانات الاستدراك ورد الاعتبار للتنظيمات الذاتية، وفي مقدمتها الهيئات المهنية. فهذه التنظيمات تحمل معرفة متراكمة بالممارسة، وتؤدي وظائف في التأطير والتكوين والتخليق وحماية الحقوق وتدبير المصالح المشتركة. وإضعاف قدرتها على أداء هذه الوظائف قد يرتب آثاراً تتجاوز أعضاءها إلى جودة الخدمة والثقة فيها. من هنا يبدأ رد الاعتبار بالاعتراف بهذه الخبرة وكذا إشراك أصحابها في إعداد النصوص التطبيقية قبل حسم اختياراتها. ويمكن، في حدود ما يتيحه القانون، أن تضمن المراسيم تمثيلية مهنية فعلية، ومساطر واضحة للاستشارة، وآجالاً كافية لإبداء الرأي، وتبادلاً منتظماً للمعلومات، وتنسيقاً يحترم اختصاصات الهيئات، وترتيبات عملية تساعدها على أداء مهامها.
كما يمكنها ضبط الإجراءات بما يحد من التعقيد والتدخل غير الضروري، ويتيح تصحيح الأخطاء، ويؤمن الانتقال إلى الالتزامات الجديدة. ويقتضي ذلك أن تكون المشاركة المهنية مؤثرة في مضمون الاختيارات، وأن يصاحب استبعاد مقترحاتها تعليل يتيح فهم أسباب القرار ومناقشتها.
غير أن الاستدراك بواسطة المراسيم له حدود ينبغي بيانها بوضوح: فالنص التطبيقي يعمل داخل القانون، ولا يستطيع إلغاء مقتضى تشريعي أو إنشاء ضمانة تناقضه أو استعادة اختصاص سلبه القانون صراحة. ولذلك يلزم التمييز بين اختلال يمكن تصحيحه في كيفية التطبيق، واختلال يستدعي تعديل القانون نفسه. ووضوح هذا التمييز يحمي مطلب الاستدراك من الوعود التي تتجاوز قدرة الأداة المستعملة.
ويقتضي رد الاعتبار للتنظيمات الذاتية، في المقابل، تعزيز ديمقراطيتها الداخلية وشفافيتها ومساءلتها وجودة خدماتها ، لأن استقلالها يكتسب قوته من قدرتها على حماية المصلحة العامة المرتبطة بالمهنة، وصون حقوق أعضائها وحقوق المستفيدين من خدماتهم. ومن ثم، ينبغي أن تقترن حماية اختصاصاتها بتأهيل مواردها وآليات اشتغالها وتقييم أدائها.
ويتصل الأمن القانوني بالأمن القضائي، لأن القاعدة تدخل عند تطبيقها في شبكة من التأويلات والممارسات والإمكانات. وقد ينقل النص الغامض عبء إصلاحه إلى القضاء، فتتعدد القراءات وتتفاوت أوضاع المتقاضين. وهنا تبرز ضرورة الاستفادة من الخبرة القضائية والمهنية في تشخيص صعوبات النصوص، وتتبع أثرها بعد دخولها حيز التطبيق.
أما الحكامة القضائية، فتشمل جودة تدبير مرفق العدالة، وتوزيع موارده، وتيسير الولوج إليه، وشفافية إجراءاته، ومعقولية آجاله، وتنفيذ أحكامه. ويقتضي تحسينها احترام استقلال القرار القضائي، مع مساءلة الشروط التشريعية والمادية والتنظيمية التي تساعد القضاء وبقية مكونات العدالة على أداء وظائفها.
ومن ثم، ينبغي إخضاع مشاريع الإصلاح لاختبار الأثر النسقي: ماذا يترتب على تعديل إجراء معين بالنسبة إلى المحاكم وكذلك المحامين والمتقاضين وكتابات الضبط وبقية المهن؟ وهل يؤدي تسريع مرحلة إلى اختناق أخرى؟ وهل تتوافر شروط الانتقال الرقمي لدى جميع الفئات والمجالات؟ وهل يحسن تنظيم العلاقة بين المؤسسات، أم يضاعف التداخل ويبدد المسؤولية؟
وفي قلب هذا البناء، تبرز ضرورة استعادة مبادرة خطة العمل الوطنية في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان، انطلاقاً من تقييم حصيلتها وتحيين التزاماتها. فقد ارتبطت الخطة بأفق إصلاحي يجمع الديمقراطية ومأسسة الحقوق والمشاركة، وأُعدت بشأن تنفيذها حصيلة مرحلية رسمية؛ وهو رصيد يستدعي مواصلة التقييم والبناء عليه.
ويتعين، عند مساءلة الحكومة الخارجة عن تراجع حضور الخطة، تحديد ما نُفذ، وما تعثر، وما بقي دون متابعة معلنة ؛ فالنقد يزداد قوة حين يكشف مواضع انقطاع الصلة بين الالتزام الحقوقي والسياسات القطاعية، ويحدد مسؤولية استدراكها.
وتتيح استعادة الخطة جعل الديمقراطية وحقوق الإنسان معياراً عرضانياً للمخطط التشريعي. فكل مشروع قانون، وكذا كل نص تطبيقي، يمكن أن يُسأل عن أثره في الحرية والمساواة والمحاكمة العادلة والمشاركة والولوج إلى المعلومة، وعن احترامه للاستقلال المهني والتنظيم الذاتي، وعن الضمانات التي يتيحها للتظلم والتصحيح.
كما تتيح وصل الإصلاح التشريعي باستكمال مسار العدالة الانتقالية، خاصة في جوانبه المتعلقة بضمانات عدم التكرار، والحكامة الأمنية، ومكافحة الإفلات من العقاب، وحفظ الذاكرة. وتحتاج هذه الالتزامات إلى ترجمة مؤسسية وتشريعية وتربوية مستمرة، وإلى تتبع يبين ما أُنجز وما بقي معلقاً.
ولكي تصبح هذه الوجهة قابلة للمحاسبة، ينبغي أن يوضح المخطط التشريعي الحكومي المشكلة المراد حلها، والغاية الحقوقية والمؤسسية، والجهة المسؤولة، والشركاء، والموارد، والآجال، وشروط التنفيذ والتقييم. وينبغي أن يشمل برمجة المراسيم التطبيقية، ونشر نتائج المشاورات، وتعليل الاختيارات الأساسية، وإتاحة مراجعتها على ضوء آثارها ، لأن الأمن القانوني يحتاج إلى استقرار القواعد وإلى قدرة مؤسسية على تصحيح اختلالاتها. ومن هنا تتكامل استعادة التخطيط الحقوقي، وإقرار مسالك للاستدراك، ورد الاعتبار للتنظيمات الذاتية: عبر مراسيم تطبيقية تستثمر مجال الضمانات الذي يتيحه القانون، وعبر تعديل تشريعي واضح حيث يبلغ هذا المجال حدوده. وبذلك يصبح الإصلاح التزاماً بتحسين أثر القانون في الحقوق والثقة وجودة العدالة.