آخر الأخبار

من منبر البرلمان إلى واجب الحقيقة: لا مصالحة بمأسسة النسيان

مصطفى المنوزي

ما صدر عن المستشار البرلماني المدعو ” الشريف ” الإدريسي، خلال مناقشة تصريح رئيسة الحكومة، يعيد فتح سؤال لم يُحسم في مسار الإنصاف والمصالحة: هل يمكن بناء ضمانات عدم التكرار مع إبقاء المسؤوليات الفردية عن الانتهاكات الجسيمة خارج المساءلة ؟ وهل يجوز أن تظل معلومات تتصل بماضي القمع محتجزة لدى أشخاص، ثم يجري التلويح بها عند الشعور بالإهانة أو الاختلاف حول طريقة استقباله بمقر حزب الجرار ؟
لم تكن النقطة المدرجة في جدول أعمال مجلس المستشارين مناقشة ظروف استقبال المتحدث بمقر حزب رئيسة الحكومة، ولا الخلاف الذي نشأ بينه وبين بعض الحاضرين في ذلك اللقاء ؛ ومع ذلك، اختار نقل هذه الخصومة إلى المنبر البرلماني، محتجًا على من وصفوه بجلاد سنوات الرصاص، وملوحًا بكشف أسماء ووقائع مرتبطة بذلك الماضي. وهكذا انتقل النقاش من مساءلة البرنامج الحكومي إلى عرض مظلمة شخصية، واستُعمل منبر المؤسسة الدستورية ، كفضاء للسلطة التشريعية، لتوجيه رسائل إلى أشخاص وجهات معنية ضمنيا خارج موضوع المناقشة.
ويتجاوز الأمر، في تقديري، مجرد الخروج عن جدول الأعمال أو الإخلال باللباقة واللياقة البرلمانية. فحين يقترن الاحتجاج بالتلويح بمعرفة المسؤولين عن انتهاكات سابقة، تصبح المسألة متصلة بحق الضحايا والمجتمع في الحقيقة، وبواجب المؤسسات في التعامل الجدي مع ما يُعلن من معلومات، بدل تركها معلقة بين التهديد والمساومة.
ولهذا الكلام، بالنسبة إلينا، سياق لا يجوز محوه. فبحسب ما عايشناه في حركة الضحايا، كان ” عرشان ” من بين الفاعلين الحزبيين ذوي الخلفية الأمنية الذين عارضوا بشراسة تأسيس اللجنة المستقلة لتعويض الضحايا. واستحضار هذا الموقف ليس محاكمة للنوايا، وإنما تذكير بموقع سياسي في مسار انتزاع الاعتراف والإنصاف. فمن عارض بالأمس فتح باب التعويض، ثم عاد اليوم للاحتجاج على استحضار ماضيه الأمني، يضعنا أمام سؤال موقفه من حقوق الضحايا: هل يعترف بها بوصفها حقوقًا، أم يقبل منها فقط ما لا يزعج روايته عن الماضي؟
وتعيد الواقعة، في قراءتي، كشف الخطيئة التأسيسية التي صاحبت تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة: قبول الفصل بين مسؤولية الدولة عن الانتهاكات وبين المسؤوليات الفردية عن ارتكابها. وهو الفصل الذي اعتبرناه استجابة لحدود رسمها العقل الأمني لمسار التسوية؛ فأمكن الاعتراف بمسؤولية الدولة السياسية والمعنوية، بينما بقي سؤال الفاعلين والأوامر والتنفيذ محاطًا بالتحفظ.
ولا يلغي هذا النقد ما تحقق نسبيا من اعتراف وجبر للضرر (رغم ضيق افق ووقع المقاربة التعويضية) وكشف جزئي لبعض الحقائق ؛ لكنه يرفض تحويل حدود التجربة إلى حدود نهائية لحقوق الضحايا. فعدم إسناد مهمة تحديد المسؤوليات الفردية إلى هيئة انتقالية لا ينبغي أن يتحول إلى إعفاء دائم من المساءلة، ولا إلى حق مكتسب في احتجاز الحقيقة. ومسؤولية الدولة لا تمحو مسؤولية الأشخاص الذين قد يثبت تورطهم، كما أن تعويض الضحية لا يُسقط حقها في معرفة ما جرى لها ومن أمر به ومن نفذه.
وبصفتي أحد ضحايا سنوات الرصاص، وأحد مؤسسي حركتهم، ورئيسًا أسبق للمنتدى المغربي من أجل الحقيقة والإنصاف، أدعو السيد الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، رئيس النيابة العامة، إلى اتخاذ ما يلزم، في نطاق اختصاصه، لتمكين الجهة القضائية المختصة من فحص هذه الواقعة وما تضمنته تلك التصريحات من معطيات ؛ لأن المطلوب تثبيت الكلام في سياقه، والتحقق من دلالاته، وتحديد ما إذا كان يتضمن معلومات عن وقائع تستوجب البحث، أو أفعالًا أخرى يقتضي القانون النظر فيها.
وفي هذا الإطار، يشكل التسجيل الرسمي للمداخلة أساسًا لتوثيق الألفاظ والعبارات المستعملة، بعيدًا عن الاجتزاء أو التأويل المتعجل ؛ كما يمكن، بحسب ما يقتضيه البحث، الاستماع إلى الأشخاص الذين أشار إليهم المتحدث بوصفهم من مساعدي رئيسة الحكومة، للاستفسار عما دار خلال لقاء الاستقبال والمشاورات، وما إذا كانت لديهم معطيات ذات صلة. ولا تعني الدعوة إلى الاستماع إليهم اتهامهم، بل إخضاع الكلام للتحقق وضمان حقوق جميع الأطراف.
أما الحصانة البرلمانية، فينبغي تناولها بدقة. فصفة المتحدث عضوًا بمجلس المستشارين تستوجب مراعاة الحماية الدستورية المقررة للآراء الصادرة خلال مزاولة المهام. وإن الخروج عن جدول الأعمال، مهما كان واضحًا، لا يكفي وحده للجزم بسقوط هذه الحماية ؛ لذلك نميز بين مسؤولية المجلس عن ضبط المناقشة وصون كرامة المؤسسة، وبين تقدير الجهة المختصة لنطاق الحصانة، وبين إمكان البحث في الوقائع السابقة التي قد تكون التصريحات قد كشفت عنها.
فحتى إذا أثيرت الحصانة بشأن مساءلة المتحدث عن مداخلته، يظل سؤال الحقيقة قائمًا: ما طبيعة المعلومات التي يلوح بها؟ وبمن تتعلق؟ وهل يمكن أن تسهم في كشف مصير ضحايا أو تحديد ظروف انتهاكات ظلت ناقصة التوضيح؟ إن حماية الوظيفة البرلمانية لا ينبغي أن تُفهم سياسيًا وأخلاقيًا باعتبارها مبررًا لاستمرار حجب هذه المعلومات.
وتطرح الإحالة على أشخاص من مؤسسي حركة لكل الديمقراطيين وحزب الأصالة والمعاصرة سؤالًا سياسيًا إضافيًا ؛ فالحزب الذي جعل من توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة مرجعية لأرضيته السياسية مطالب بإظهار أثر هذه المرجعية في مواقفه وممارسته ؛ لأن الوفاء لها يُختبر حين تصبح الحقيقة محرجة، وحين يكون المطلوب توضيح الموقف داخل المحيط السياسي نفسه، لا الاكتفاء باستحضار المصالحة في الخطاب.
ومن جهتنا، لن نختزل القضية في إدانة شخص وتصريحاته ، لأن مسؤوليتنا، بوصفنا ضحايا وفاعلين في حركة الذاكرة الحقيقة الإنصاف، هي مواصلة العمل لاستكمال الشق المؤسستي وكذا السياسي من التوصيات، وتحويل ضمانات عدم التكرار إلى عقد والتزامات قابلة للتنفيذ والمراقبة ؛ فما نخشاه هو بقاء الشروط التي تسمح باستدعاء الماضي وسيلةً للتخويف، بدل إخضاعه للحقيقة والعدالة.
وإن أول الخطو تجديد المطالبة باستراتيجية وطنية لمكافحة الإفلات من العقاب، تضمن الولوج الفعلي إلى القضاء، وتحمي الضحايا والشهود، وتصون الأرشيف والأدلة، وتزيل العوائق غير المبررة أمام عرض ادعاءات الانتهاكات على الجهات المختصة. كما نتمسك بمساءلة مسؤولية الحكومة السابقة عن الاختيارات التي نرى أنها ضيقت إمكان تحريك الدعاوى ذات الصلة، مع تحديد النصوص والقرارات وآثارها، حتى تكون المساءلة دقيقة ومنتجة.
ويتعين أن تشكل مراجعة التشريع الجنائي وتفريعاته مناسبة لتقوية هذه الضمانات، وربط الإصلاح التشريعي بما تعلمناه من تجربة الانتهاكات. فعدم التكرار يحتاج إلى قواعد تمنع التعسف، ومؤسسات تراقب استعمال السلطة، وقضاء يستطيع الوصول إلى الحقيقة وترتيب المسؤوليات وفق الإثبات وضمانات المحاكمة العادلة.
لقد استُعمل المنبر البرلماني لإخراج كلام ظل حبيس الصدر عقودًا، بحسب ما يوحي به سياق المداخلة ؛ لكن ما يتصل بحقوق الضحايا ليس ملكية شخصية تُكشف عند الغضب وتُحجب عند الرضا. والحقيقة لا تُستدعى لتسوية خلاف حول استقبال حزبي، ثم تُعاد إلى الصمت بعد انتهاء الخصومة.
إن جوابنا هو المطالبة بالتحقق، وصيانة الذاكرة، واستكمال الإصلاح. لا نطلب إدانة بلا إثبات، ولا نقبل أن تصبح المصالحة التزامًا أبديًا بصمت الضحايا. فالمصالحة التي تحمي المستقبل تقتضي الحقيقة والمساءلة وضمانات عدم التكرار؛ أما مأسسة النسيان فتُبقي الماضي قادرًا على تهديد الحاضر.
من هنا علينا تجديد مطلب سن استراتيجيا الحد من الافلات من العقاب ، وكذلك سن تدابير وضمانات عدم تكرار الانتهاكات الجسيمة وغير الجسيمة لحقوق الإنسان مع ادماجهما في البرنامج الحكومي في افق تحقيق انتقال أمني حقيقي على مستوى عقيدة الحكم وتأصيل معنى الديمقراطية التمثيلية أو التشاركية لا فرق !

رئيس المركز المغربي للديمقراطية والأمن
ومنسق منتدى ضمير الذاكرة وحوكمة السرديات الأمنية