الحق في النسيان وصفح الإذعان مقابل صك الغفران
أو مرافعة عرشان لتبييض الزمان في قبة البرلمان
مصطفى المنوزي
تفتح تصريحات الكومسير السابق عرشان في الغرفة الثانية للبرلمان ، في إحدى قراءاتها الممكنة، سؤالًا يتجاوز شخصه إلى شروط التعامل مع ماضي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان: هل نفتح باب الاعتراف والتوبة والاعتذار والاستعداد للمساءلة، أم نمهّد للمطالبة بالحق في النسيان قبل استيفاء شروط المصالحة؟ يتعلق الأمر بفرضية في قراءة الخطاب، تظل قابلة للمناقشة، لكن ما تستدعيه من إشكال يستحق أن يُطرح بوضوح: من يملك الصفح، ومن يتحمل كلفته، وما الذي يضمن ألّا يصبح إغلاق الماضي مدخلًا إلى تكراره؟
ليس الاعتراض على إمكان التوبة، ولا على حق الإنسان في مراجعة ماضيه والتحرر من أثقاله ؛ ففتح باب المراجعة ضرورة أخلاقية ومجتمعية. ؛ غير أن مراجعة الماضي تبدأ بتحمل مسؤوليته، ولا تستقيم بطلب محو آثاره من ذاكرة الآخرين. ومن يريد استعادة مكانه داخل المجتمع، بعد ثبوت تورطه في أفظع انتهاكات عرفها التاريخ المغربي ، يُنتظر منه أن يعترف بما وقع، وأن يوضح مسؤوليته، وأن يعتذر لمن تضرروا، وأن يُبدي كامل استعداده للمساءلة. عندئذ يصبح الحديث عن الصفح ممكنًا، لأن الضحية تجد أمامها اعترافًا يخاطب كرامتها وقد يجبر أضرارها ؛
أما تقديم النسيان بوصفه مدخلًا لتسوية الماضي، فقد يقلب ترتيب الاستحقاقات: يُطلب من الضحية أن تتنازل أولًا، فيما يظل الاعتراف معلقًا، والاعتذار ملتبسًا، والمسؤولية موزعة بين السياق و التعليمات وضرورات المرحلة. والحال أن تفسير شروط الانتهاك يساعد على فهمه ومنع تكراره، لكنه لا يمحو مسؤولية من أمر به أو نفذه أو تستر عليه. كما أن تفريد المسؤوليات لا يعفي من مساءلة البنيات التي أتاحت الانتهاكات وأمنت استمرارها.
ولذلك ينبغي أن يظل الصفح اختيارًا حرًا، يمارسه كل ضحية تجاه من ثبتت مسؤوليته عما لحقه، على أساس معرفة كافية بالحقيقة. فلا أحد يملك أن يصفح نيابة عن الجميع، ولا أن يجعل من تسامح بعض الضحايا حجة لإلزام الآخرين. وقد يختار الضحية الصفح، وقد يحتاج إلى وقت، وقد يتمسك بحقه في المساءلة؛ وفي جميع هذه الحالات تظل كرامته جديرة بالاحترام. فالصفح حق له، وليس واجبًا مفروضًا عليه لإثبات وطنيته أو حسن اندماجه في المصالحة.
هنا يظهر معنى «صفح الإذعان»: أن يُدفع المتضرر إلى التنازل تحت ضغط التعب أو العزلة أو اختلال موازين القوة، ثم يُقدَّم تنازله دليلًا على طي الصفحة. وقد يتخذ الضغط لغة ناعمة، تدعوه إلى تجاوز الأحقاد، أو مراعاة الاستقرار، أو الكف عن إزعاج الحاضر بأسئلة الماضي. وبهذا تنتقل كلفة المصالحة إلى الضحية، فيما يحصل المسؤول عن الانتهاك على براءة رمزية لم يسبقها تحمل واضح للمسؤولية.
ومن هذا المنظور، تبرز الحاجة إلى التمييز بين الصفح العمودي والمصالحة الأفقية. فالصفح الذي يُعلن من أعلى قد ينتج أثرًا سياسيًا أو مؤسسيًا، لكنه لا ينشئ، بمجرده، ثقة بين من انتهكت كرامته ومن اعتدى عليها. أما المصالحة الأفقية فتُبنى داخل المجتمع، عبر الاعتراف والإنصات والاعتذار وجبر الضرر، وتتيح للضحايا المشاركة في تحديد معنى الإنصاف وشروطه ؛ وهي تحتاج إلى مؤسسات تضمن الحقوق وتحمي حرية الاختيار، حتى لا يُترك الضحايا في مواجهة غير متكافئة مع أصحاب النفوذ السابق أو المستمر.
ولا تنحصر المسألة في العلاقة بين الأفراد. فالانتهاكات الجسيمة تخلّف آثارًا في الأسر والمؤسسات والثقة العامة. لذلك فإن الصفح الشخصي، مهما بلغت قيمته الإنسانية، لا يستنفد مطالب الحقيقة ولا يعوض إصلاح المؤسسات وحفظ الأرشيف وتحديد كامل المسؤوليات ؛ كما أن حفظ الذاكرة لا يعني تأبيد الاتهام؛ إنه يتيح نقل التجربة من جرح معزول إلى معرفة مشتركة، تساعد المجتمع على التعرف إلى مؤشرات الخطر قبل استفحالها.
ويبلغ الخطر مداه حين يصبح احتمال التكرار ورقة ضغط لانتزاع تبييض الماضي؛ كأن يُفهم أن أمن الحاضر مشروط بالصمت، وأن فتح ملفات المسؤولية قد يعيد إنتاج التوتر أو الانتهاك ؛ و عندئذ نكون أمام علاقة ابتزاز، صريحة أو ضمنية، تجعل الضحايا مطالبين بأداء ثمن حمايتهم من أذى جديد. وضمان عدم التكرار التزام تتحمله الدولة ومؤسساتها، ولا يجوز تعليقه على تنازل المتضررين عن ذاكرتهم أو حقوقهم.
لهذا، فإن الباب الذي يستحق أن يُفتح هو باب التوبة المسؤولة: اعتراف لا يراوغ، واعتذار لا يُحمّل الضحية ذنب تذكرها، وكذلك استعداد للمساءلة لا يشترط ضمان الإفلات منها مسبقًا. ويمكن لمثل هذا المسار أن يهيئ إمكان الصفح، دون أن يصادر قرار الضحايا أو يختزل العدالة في تسوية وجدانية.
إن المصالحة التي نحتاجها تمنح الاعتراف أثرًا، وللمساءلة معنى، وللصفح حريته. أما استعجال النسيان قبل الحقيقة، وطلب التسامح قبل الاعتذار، فهما يهددان بتحويل صفح الإذعان إلى صك غفران؛ صكّ تُبرَّأ به المسؤوليات، بينما تبقى شروط التكرار قائمة. فهل يسمح بتحويل قبة البرلمان من سيرك للجذبة إلى حائط مبكى لانتاج صكوك الغفران والتوبة !،