مرفوق معاد
في سياق الجهود الوطنية المتواصلة للنهوض بحقوق الطفولة، تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، وبإشراف فعلي من صاحبة السمو الملكي الأميرة للا مريم، رئيسة المرصد الوطني لحقوق الطفل، تبرز قصص إنسانية ملهمة تؤكد أن الاستثمار في الطفل هو استثمار في مستقبل الوطن. ومن بين هذه النماذج، تبرز قصة الطفل رضا اشتيا، القادم من أزقة المدينة العتيقة لمدينة مراكش، كحكاية تختزل معاني التحدي، والصبر، والتحول.
رضا، الذي واجه منذ طفولته المبكرة تأخرًا في النطق وصعوبات في التعلم والتواصل، وجد نفسه أمام مسار دراسي معقّد، في ظل منظومة تعليمية لا تستوعب دائمًا الفروق الفردية، ولا توفر الأدوات الكفيلة بمواكبة الأطفال في وضعية صعوبة. غير أن هذه التحديات لم تكن نهاية الطريق، بل شكلت بداية لرحلة استثنائية قادتها والدته، سعاد خويا، أستاذة التعليم الابتدائي.

أمام معاناة ابنها، اختارت الأم أن تتجاوز دورها التقليدي، لتصبح سنده الأول ومعلمته ومرافقته اليومية في مسار التعلم. وبمساندة من المفتش التربوي محمد بن أحمد، حصلت على إذن خاص لمواكبته تربويًا، حيث رافقته من السنوات الأولى من التعليم الابتدائي إلى غاية المستوى الرابع، معتمدة أساليب بيداغوجية مرنة قائمة على التدرج، والتكرار، والتحفيز، وتكييف المحتوى مع حاجياته الخاصة.
تحول البيت إلى فضاء تربوي متكامل، تُبنى فيه المهارات خطوة بخطوة، بعيدًا عن ضغط الأقسام الدراسية التقليدية. ومع مرور الوقت، بدأت مؤشرات التحول تظهر بوضوح، حيث تمكن رضا من كسر حاجز الصمت، وتطوير قدراته التواصلية، بل واكتساب اللغة الإنجليزية بطلاقة، في تجربة تعكس أهمية البيئة الداعمة في مسار التعلم.
غير أن هذه التجربة لم تبقَ حبيسة الإطار الأسري، بل تحولت إلى مشروع إنساني أوسع. فقد اختارت سعاد خويا أن تجعل من معاناة ابنها منطلقًا لمسار مهني جديد، حيث تخصصت في مجال التربية الدامجة، وأصبحت “معلمة للتربية الدامجة”، تشتغل على مرافقة الأطفال الذين يعانون من صعوبات التعلم والإعاقات، وتقدم الدعم لأسرهم، واضعة خبرتها رهن إشارة فئة ظلت لسنوات تعاني في صمت.
وفي هذا المسار، لعبت جمعية سفراء التربية الخاصة، برئاسة محمد أوبيهي، دورًا داعمًا في احتضان تجربة رضا وتشجيعها، ما ساهم في فتح آفاق جديدة أمامه للاندماج والمشاركة.
اليوم، يُتوّج هذا المسار باختيار رضا اشتيا طفلًا برلمانيًا لولاية 2026–2028، ممثلًا لجهة مراكش–آسفي داخل برلمان الطفل، ليصبح صوتًا معبرًا عن فئة من الأطفال الذين يواجهون تحديات مماثلة، وحاملًا لرسالة مفادها أن الإعاقة أو صعوبات التعلم لا تلغي القدرة على التأثير والمشاركة.
قصة رضا ليست مجرد نجاح فردي، بل نموذج حيّ يطرح بإلحاح ضرورة تطوير المنظومة التربوية نحو مزيد من الإدماج والمرونة، بما يضمن تكافؤ الفرص لجميع الأطفال. كما تعكس في عمقها دور الأسرة، وخاصة الأم، في صناعة الفارق، حين يتحول الإيمان إلى فعل، والتحدي إلى إنجاز.
إنها قصة تُلهم، وتُعيد الاعتبار لقيمة التربية الدامجة، وتؤكد أن الأطفال الذين يعانون في صمت، يحتاجون فقط إلى من يمنحهم الفرصة… ليصنعوا بدورهم صوتًا يُسمع.
