آخر الأخبار

محاربة الريع  و غلاء  الاسعار بين الخبراء و القرار السياسي 

إدريس الأندلسي 

فوزي لقجع بين الخبرة و الموقع السياسي  و ضرورة إعادة النظر في القوانين. 

 

علم الجميع بدخول فوزي لقجع إلى مجال الاصطفاف الحزبي. و لم يتمنع، كما لم يمتنع، عن قبول  التضحيات الشخصية المفروض تحملها عند تقبل الصفة السياسية ،  و هو المثقل بإنجازات رياضية لا ينكرها بنو وطنه و لو كانوا في أقصى اليسار السياسي ،كباقي ألوان الطيف من كافة التوجهات. يعرف قياديو الأحزاب الإدارية كيف يتم تدبير كرة القدم  و كيف  يستفيد منها البعض عبر تحويلها إلى جسر عبور  نحو ميدان التنافس السياسي.  ولكن التغيير كاختيار يتطلب الإرادة و لو كانت كلفتها مواجهة مع اللوبيات ذات القوة العابرة للأحزاب و العائلات و حتى للتعبيرات الفنية والثقافية .  و لا يمكن إلا أن ادعم إرادة فوزي لقجع الذي رفع عاليا شعار عدالة اجتماعية في مواجهة تجار أزمات الأسعار، و في مواجهة قطاع خاص طبي يستولي على أكثر من 90 ٪ من أموال التامين الإجباري عن المرض. ولكن إرجاع القوة الشرائية للمواطنين من الطبقة الوسطى ، و ما تحتها   من الفئات الاجتماعية الهشة يتطلب تبني اختيارات سياسية ، و لو أدى ، الأمر إلى تبني  قانون لتحديد الأسعار ، و إقرار أولوية تموين السوق الداخلي على حساب التصدير.

بنى فوزي لقجع مساره المهني بكثير من الجد، و عبر كل مراحل التمكن من علوم الإدارة و الافتحاص المالي داخل دواليب وزارة الاقتصاد و المالية. و يشهد بصعوبة  هذا المسار  زملاءه و خصوصا زميله في المدرسة الوطنية للإدارة ، و الوزير السابق في الميزانية إدريس الازمي.  و لكن مسار أي مسؤول اختار حمل اعباء المسؤولية السياسية  لا يمكن ربطه بصلابة التجربة المهنية فقط. مدير الميزانية يظل مسؤولا على تحويل القرار السياسي إلى مقتضيات محاسباتية جمركيا و جبائيا. يسدي النصح للوزير و لا يتدخل في اختيار سياسي تحدده آليات تتعدى دائرة اختصاصه المهني.

أود أن أشكر السيد الوزير فوزي لقجع على وضوح تموقعه السياسي، و هو المثقل بكثير من الالتزامات في مجال كرة القدم ، و في غيرها من المجالات. أعرف أن كثيراً من الكفاءات المغربية لا تطمح لشيء يرتبط بمسؤوليات  السياسي  ، و اغلبهم يفضل عدم  التورط في مجال قد يضر بمصالحهم الكبرى في مجالات التأمين و البنوك، و يفضلون إعطاء الدروس للدولة و المجتمع بعد أن استفادوا من صفقات تحت رعاية ضريبية و ” بورصوية”   منحتهم كثيراً من الطمأنينة النفسية و الفنية. و لا يمكن أن يعطى الدروس  صاحب نظرية ” وسادة الرداءة المهنية ”  ،  و الذي تمكن  من الوصول إلى قمة التحكم في مستوى ربحية مؤسساته دون أن يعطي تقريرا عن ربح البلاد من جراء سياسات في مجال الصناعة. الأمر يتعلق بالأساس بمؤشرات سوق التشغيل و دعم الصناعات المحلية لاحتلال مرتبة كبرى في سلاسل الإنتاج الوطنية المرتبطة بقياس مستوى مساهمة الصناعات المحلية في صناعة القيمة المضافة في كل الاستثمارات التي يتم دعمها ماليا ، و بسخاء كبير. و لنسال الوزير السابق للاستثمار عن حجم المنح التي أعطاها لمن قدموا مجرد التزامات على مشاريع لا نعلم عنها شيئا يهم تنزيل مؤشرات و  تحقيق أهداف قدمت و استفادت بفضلها من أموال البلاد. و لا يظنن  ذلك الوزير السابق أن مهاراته الموسيقية و المبهرة ماليا  قد تقنع معارفه من الخبراء بسحر كلماته عن دعم أو غدر الكفاءات في ارساء قواعد التدبير الراقي و الفعال للموارد البشرية. الفرق كبير بين الملعقة الذهبية و ” الخبز الحافي”.

فلنرجع إلى المشروع الكبير الذي يحمله الوزير فوزي لقجع.  سجل دخوله إلى معترك الانتخابات تحولا في مسار المعركة الانتخابية.  و سيظل موقع هذآ المسؤول مرتبطا بمشروع سياسي    كبير يمني المغاربة بتحقيقه.  و سيظل مركز إنتظارات المواطنين هو ذلك الخطاب الذي تجنبه حزب الأصالة والمعاصرة، و جاء فوزي لقجع ليبشر له بعد حفل الالتحاق المدوي.

أكد فوزي لقجع الذي يتحمل ثقل أكبر وزارة في حكومة ” الوافد الجديد”  ، حسب تعبير  الكاتب الأول لحزب كان يوجد في قلب كثير من المغاربة، أن غلاء الاسعار، و من ضمنها اسعار المواد الغذائية ذات علاقة وثيقة ببنية تكثف بنية السماسرة في اشعال نار الأسعار.

وعد السيد الوزير بإعادة بناء هياكل الوساطات و السعي إلى إنصاف المنتج و المستهلك النهائي.  و لا يمكن أن نشكك في نية السيد الوزير في التوجه إلى الإصلاح و محاربة آثار تدخل السماسرة  على مستوى الأسعار.

و تواصل مسلسل النقاش الإعلامي مع السيد الوزير بكثير من التفهم و التقدير لنيته الصادقة في إعادة هيكلة سلاسل ربط تكلفة الإنتاج الحقيقية بالأسعار على الأسواق الوطنية.  و مع تطور النقاش بدأ الكلام عن بعض ” الممنوعات المؤسساتية و السياسية” .  أكد منقذ حزب الأصالة والمعاصرة في معركة الانتخابات، أن أمر السيطرة على الأسعار صعب. و نفى أي إتجاه نحو خلق آليات رقابة على السوق، أو أي لجوء لإعادة الحياة لمؤسسات تتحكم في آليات التصدير في علاقاتنا مع توازنات السوق المحلي الداخلي . و أكد أن  القرار في ربط حجم التصدير باحتياجات السوق بالمغرب لا يتطلب إعادة الروح لمكتب التصدير أو لتدبير قد يحيل إلى إعادة النظر في الاختيارات الليبيرالية في تدبير السوق. و يجب  على كل ذي شك منهجي أن يطرح سؤال كيف نحمي المغاربة في غياب آليات مؤسساتية تعيد شيئا من القرار السياسي إلى تدبير السوق. و سنكون أقرب إلى الغباء السياسي إذا تركنا الأمر لسوق لا تحترم أدنى قواعد تدبير شفاف لتحديد الأسعار.  و اتمنى للسيد فوزي لقجع أن يجد كل الاليات الممكنة التي ترفع عن المغاربة سطوة قرار ” سوقي” تحميهم  من أسعار العقار و الدواء و الغذاء و التمدرس، و حتى من حضور مباريات الفريق الوطني لكرة القدم، و عشاق الفرجة الجميلة و الصادقة هم أيضا من محبي إعادة الجمال الأخلاقي للممارسة السياسية.

و لا يمكن أن لا نوافق السيد فوزي لقجع على رغبته في إعادة توزيع أموال التأمين الإجباري عن المرض على القطاعات الصحية العمومية و التعاضدية و الخصوصية. استفادة القطاع الخاص من هذه الأموال ليست كلها عادلة.  و  يمكن أن نحدد أسباب  هذا الاختلال في عدة عوامل ترتبط بالأساس بغياب رقابة حقيقية على ممارسات كثير من الفاعلين في سوق الصحة ببلادنا.  يهرب جزء كبير من اطباء القطاع العام ليتشغلوا خلسة في المصحات الخاصة. و هكذا، و رغم توسيع للتغطية الصحية و بناء المستشفيات، يظل الولوج إلى العلاجات رهين المواعيد البعيدة  الخاصة بالاستفادة من التحاليل الطبية و العلاجات. و يضاف إلى كل هذا،  معاناة المواطنين أمام الفرق الكبير بين التسعيرة الوطنية المرجعية و الأسعار التي يتحملها المرضى و التي تقلص مساحة التغطية الصحية و تزيد من معاناة الفئات الاجتماعية ذات الدخل المحدود مع دفع ” المال الأسود” مجبرين أمام ضغط حالة الخوف أمام المرض.  و يظل تحقيق شيء من التوازن في توزيع أموال التغطية الاجتماعية حلما بعيد المنال في ظل قواعد دعم القطاع الخاص و حمايته من المحاسبة، و تحول الطب لدى  كثير من ممارسيه إلى تجارة مربحة جدا تنافس العقار و الطاقة و البورصة و المعادن النفيسة. لكل ما سبق يجب التأكيد على أن حماية القدرة الشرائية للمواطنين في كافة المجالات لا تتم بإجراءات ترقيعية، و لكن عبر إعادة النظر في قواعد اللعبة التجارية و التحكم في الأسعار حين تصبح خطرا على المعيش اليومي، و بالتالي على التوازنات  و على السلم الاجتماعي.