حين يكون الحزب بعنوان ديني حداثيًا والحزب الحداثي تقليديًا
قراءة نسقية في الدين والمدينة والوساطة والتصويت العقابي
مصطفى المنوزي
كيف يمكن للمدينة، بوصفها المجال الأكثر اتصالًا بالتعليم والوظيفة وأنماط العيش الحديثة، أن تُبدي استعدادًا أكبر لتقبل خطاب سياسي ذي غلاف ديني؟ ولماذا لا يظهر الخطاب نفسه بالقوة ذاتها في بعض الأوساط القروية والجبلية، رغم حضور الدين فيها بصورة قوية وتلقائية؟
لا تكفي المقابلة بين مدينة حديثة وبادية محافظة لتفسير هذه المفارقة. فالمدينة ليست كتلة حداثية متجانسة، والبادية ليست كتلة تقليدية ثابتة. كما أن الحزب المحسوب على المرجعية الدينية ليس دينيًا في جميع أبعاده، ولا تكون الأحزاب ذات الخطاب الحداثي حديثةً بالضرورة في تنظيمها وقواعدها الاجتماعية ومصادر قوتها.
تقتضي المقاربة النسقية ربط المجال بالبنية الطبقية، والتنظيم الحزبي بالخطاب، والمرشح بالوسيط، والاختيار الانتخابي بالمصلحة والغضب والذاكرة التنظيمية.
تتسع داخل المدن فئات البورجوازية الصغيرة: الموظفون، والمدرسون، وأصحاب المهن الحرة، والتجار الصغار، وخريجو الجامعات. وهي فئات تجمع بين أصول مدينية وأخرى قروية أو زراعية انتقلت إلى المدينة بواسطة التعليم والوظيفة والهجرة الداخلية. لذلك لا تمحو المدينة الأصول الاجتماعية، بل تعيد تركيبها داخل شروط جديدة.
تعيش هذه الفئات بين طموح الصعود والخوف من التراجع؛ وبين الانفتاح على أنماط العيش الحديثة والتمسك بمرجعياتها الأخلاقية. وقد يصبح خطاب الهوية والدين والنظام وسيلة لترجمة قلق اجتماعي ناتج عن البطالة أو الهشاشة أو انسداد الترقي أو تراجع الثقة في المؤسسات. وبذلك لا يكون نجاح الخطاب ذي الغلاف الديني نقيضًا للحداثة بالضرورة، بل قد يكون أحد آثار حداثة غير مكتملة توسع التطلعات من دون أن توفر القدر نفسه من الأمن الاجتماعي والاعتراف.
أما في كثير من البيئات القروية والجبلية، فالدين لا يظهر دائمًا باعتباره قضية سياسية مستقلة؛ لأنه مندمج في الحياة اليومية والعلاقات العائلية والعادات والسلطات الرمزية المحلية. وما يُعاش بصورة تلقائية لا يحتاج بالضرورة إلى من يحوله إلى شعار انتخابي.
وهنا تكتسب العبارة الشعبية (استقيتها من تدوينة فيسبوكية لتمثل الظاهرة) : «يامنة تعرف ربي، وربي يعرف يامنة» معناها العميق. فهي لا تنكر الدين، بل تستبعد الوسيط الذي يدعي احتكار تمثيله. فإيمان يامنة علاقة معيشة لا تحتاج إلى وصي سياسي. أما في المدينة، حيث تتقاطع قيم وأنماط حياة متباينة، فقد يصبح الدين موضع سؤال وقلق وتنازع، ومن ثم أكثر قابلية للتعبئة السياسية؛ غير أن السياسة تصل إلى البادية عبر قنوات أخرى، وهو ما تختزله عبارة “” المرشحون مدينيون والوسطاء قرويون “” ؛ فالمرشح قد يقيم في المدينة ويدير منها مصالحه وخطابه، لكنه يحتاج إلى وسيط محلي يمتلك شبكة القرابة والخدمات والثقة والنفوذ ؛ فإذ يتشكل بذلك تقسيم للعمل الانتخابي و ينتج المرشح المديني الصورة والبرنامج والموارد، بينما ينتج الوسيط القروي القرب والتعبئة والأصوات ، فيتحدث الأول عن التنمية والسياسات العمومية، ويعيد الثاني ترجمة الخطاب إلى وعود شخصية ومنافع محلي ، وهكذا قد يكون الحزب حديثًا في مقره وتنظيمه، لكنه يصبح تقليديًا عند نقطة اتصاله بالناخب ؛ والأدق أن نقول: المرشح مديني الموقع، والوسيط قروي الشبكة، والخطاب وطني، لكن المعاملة الانتخابية محلية وشخصية ، ويتجلى تعقيد الظاهرة في حزب المصباح؛ فهو من زاوية التنظيم حزب حديث نسبيًا، يقوم على المؤسسات والتأطير والانضباط والبرنامج السياسي. أما المرجعية الدينية فتحضر أساسًا في اللغة الشفوية والرموز الأخلاقية وتصريحات التعبئة، رغم تأطيرها بنفس دعوي يصدر عن الذراع الموازي ؛ أكثر مما تتحول إلى برنامج فقهي متكامل لإدارة الدولة ؛ ومع ذلك لا يجعل الغلاف الديني بلا أثر؛ فاللغة الأخلاقية تنتج الثقة وكذا الانتماء، وقد تجعل التصويت للحزب احتجاجًا على الفساد والريع أكثر منه طلبًا لمن يتحدث باسم الدين ؛ فقد يكون الحزب حديثًا في تنظيمه، محافظًا في لغته القيمية، وبراغماتيًا أو ليبراليًا في اختياراته الاقتصادية.
وفي المقابل، قد تبدو أحزاب أخرى حداثية في صورتها وخطابها حول التنمية والاستثمار، بينما ترتبط قواعد قوتها بالفلاحة الكبرى والعقار والصفقات وشبكات الأعيان والامتيازات ؛ لذلك لا يكفي أن نسأل عما يقوله الحزب، بل ينبغي فحص من يصنع نخبه ويموله، ومن يستفيد من سياساته، وما علاقته بالأرض والماء والعقار والجباية والصفقات ؛ فالربح، وإن أمكن أن يختلط بالريع، ليس هو الريع ، كما أن الربح يفترض النشاط والاستثماركما يدعو إلى المخاطرة، بينما ينشأ الريع من الامتياز أو الاحتكار أو القرب من القرار. وقد تتخذ البنية الريعية لغة حداثية، مثلما قد يستعمل حزب منظم حديثًا غلافًا دينيًا ومحافظًا.
وهنا لا تكتمل الخريطة من دون الانتباه إلى الأطر الغاضبة داخل الأحزاب الحداثية ؛ فحين تُحاصَر هذه الأطر تنظيميًا، أو تُهمش، أو تُفصل، أو تضطر إلى الانشقاق، قد تعاقب أحزابها بالتصويت لخصومها، ولو خالفوها فكريًا وقيميًا ؛ ويبدو هذا السلوك شاذًا بالنظر إلى الهوية الإيديولوجية، لكنه مفهوم بمنطق الفعل ورد الفعل. فالغاضب لا يصوّت عندئذ لمن يمثله، بل لمن يستطيع هزيمة من أقصاه ؛ وما يبدأ احتجاجًا عابرًا قد يتحول، بفعل التواتر، إلى نمط مستدام: إقصاء داخلي يولد غضبًا وانشقاقًا، ثم تصويتًا عقابيًا، فتراجعًا انتخابيًا، قد تتخذه القيادة ذريعة لمزيد من الانغلاق.
وهكذا تصنع الأحزاب أحيانًا جزءً من أصوات خصومها ؛ فقد يستفيد حزب المصباح، مثل غيره، لا من أصوات المقتنعين بمرجعيته وحدهم، بل أيضًا من حداثيين غاضبين يستخدمون التصويت له لمعاقبة تنظيماتهم الأصلية ؛ وهذه ظاهرة بدأت مع بداية تبني نمط الاقتراع اللائحي ؛ وبذلك لا تعكس النتيجة الانتخابية تطابقًا بسيطًا بين هوية الناخب وهوية الحزب؛ فهي حصيلة متفاعلة من الاقتناع والمصلحة والوساطة والاحتجاج والرغبة في العقاب.
لذلك فالسؤال الأدق ليس: أي الأحزاب ديني وأيها حداثي؟ بل: أين توجد الحداثة داخل كل حزب؟ هل توجد في التنظيم، أم في البرنامج، أم في تجديد النخب، أم في استقلال القرار، أم في طريقة الوصول إلى الناخب وإنتاج الثروة؟ وأين تستمر التقليدية: في شبكات الأعيان، أم في مصادر التمويل، أم في احتكار القيادة، أم في إقصاء الاختلاف؟
فالحداثة السياسية لا تُقاس بمظهر المرشحين ولا بلغة الأحزاب، وإنما بديمقراطية تنظيماتها، وشفافية مصالحها، وقدرتها على الفصل بين الربح والريع، وبين الإيمان والوصاية، وبين الوساطة والزبونية، وبين تدبير الاختلاف وإنتاج الخصوم ؛ ناهيك عن درجة الوفاء للخيار الديمقراطي ، وهنا تجب الإشارة إلى مقالات سابقة حول استراتيجيا النضال الديمقراطي ، في العلاقة مع مطلب استكمال التحول الديمقراطي !
ولذلك عندما يضيق الحزب بالاختلاف داخله، فإنه يوسّع قاعدة منافسه خارجه؛ وحين يتكرر التصويت العقابي، يتحول ما يبدو شذوذًا انتخابيًا إلى بنية مستدامة تعيد تشكيل الخريطة السياسية في ظل تضخم التوجس واللايقين لدى العقل الأمني الذي يضطر إلى عدم توسيع حجم المشاركة لأجل ضمان استقرار المشهد السياسي . وتجدر الإشارة إلى أن هناك عوامل أخرى لا يستطيع المقال الحالي استنباطها او استقراءها حتى بصيغة متخصصة أكثر ، مما يستدعي تحفيز البحث العلمي خارج المجال السياسي الداخلي والمغلق !