آخر الأخبار

سبتة ومليلية: من المِيتيس إلى الكايروس؟

محمد محاسن 

الصرامة الهادئة وإعادة بناء الموقف الاستراتيجي المغربي – 2/3

توطئة

لقد انتهينا في المقال السابق إلى سؤال يتجاوز في جوهره أحداث سبتة الأخيرة وقرار البرلمان الأوروبي نفسه : إذا كانت قواعد الخطاب الإسباني والأوروبي حول سبتة ومليلية تتغير، فهل ينبغي أن تبقى قواعد إدارة المغرب للملف كما كانت؟ ليس المقصود هنا الدعوة إلى التصعيد. كما أن الأمر لا يروم التشكيك في أهمية الشراكة المغربية الإسبانية أو المغربية الأوروبية. إنه سؤال في الزمن الاستراتيجي.

ففي حياة الدول، كما في حياة المؤسسات، ليست الحكمة في معرفة ما ينبغي فعله فقط، بل في معرفة متى ينبغي فعله، وكيف، وبأي أدوات، وبأي درجة من القوة والهدوء. وهنا يلتقي مفهومان من المفاهيم التي تناولناها سابقاً في تحليل القيادة الاستراتيجية: المِيتيس بوصفها ذكاء المرونة وحسن تدبير الوسائل والظروف. والكايروس بوصفه إدراك اللحظة المناسبة للفعل.

فهل نحن اليوم أمام لحظة تستدعي إعادة قراءة الطريقة التي أدار بها المغرب ملف سبتة ومليلية طوال عقود؟

 الحسن الثاني: ترتيب الأولويات لا التخلي عنها

 يبدو مستعصيا فهم الموقف المغربي من سبتة ومليلية دون العودة إلى الطريقة التي أدار بها الملك الراحل الحسن الثاني هذا الملف. فالمغرب الخارج من الاستعمار وجد نفسه أمام ملفات ترابية متعددة، في مقدمتها الصحراء يشفيها الجنوبي والشرقي، إلى جانب سبتة ومليلية والثغور والجزر الواقعة تحت الإدارة الإسبانية. وقد كان منطق الدولة آنذاك قائماً على ترتيب الأولويات. فاحتلت الصحراء مركز الصدارة لأنها كانت تمثل التحدي الأكثر إلحاحاً للوحدة الترابية المغربية، دون أن يعني ذلك إسقاط المطالب الأخرى من الذاكرة السياسية للدولة. ومن هنا جاءت فكرة الحسن الثاني بإنشاء «خلية للتفكير» مع إسبانيا للنظر بهدوء في مستقبل سبتة ومليلية. كانت الفكرة، في جوهرها، تعبيراً عن نوع من المِيتيس السياسية. لا مواجهة مباشرة. ولا تنازل عن الموقف. بل إدارة للزمن وترتيب للأولويات، مع إبقاء الملف مفتوحاً للمستقبل. لقد كان ذلك مفهوماً في سياقه التاريخي. لكن الاستراتيجية التي قد تكون حكيمة في زمن معين لا ينبغي أن تتحول بالضرورة إلى قاعدة أبدية.

فالمِيتيس نفسها تفترض القدرة على تعديل الوسائل عندما تتغير الظروف.

والسؤال اليوم ليس إن كان الحسن الثاني قد أحسن ترتيب الأولويات. بل : هل بقيت الظروف التي أنتجت ذلك الترتيب على حالها؟ ما الذي تغير؟

خلال أزمة صيف 2026 شهدت سبتة حضوراً سياسياً إسبانياً رفيع المستوى، ترافق مع خطاب شديد الوضوح بشأن السيادة والوحدة الترابية. كما أكدت الحكومة الإسبانية، في ردها على التصريحات المغربية، أن سبتة ومليلية مدينتان إسبانيتان وجزء من السيادة والوحدة الترابية الإسبانية ومن أراضي الاتحاد الأوروبي، ورفضت بصورة قاطعة أي طرح مخالف.

وفي السياق نفسه، أصبحت سبتة ومليلية حاضرتين بصورة متزايدة في الخطاب الأمني الأوروبي والأطلسي، خصوصاً مع مطالبة مدريد بإيلاء الجناح الجنوبي للحلف أهمية موازية للجناح الشرقي.

ثم جاء قرار البرلمان الأوروبي في 17 شتنبر 2026 ليضيف مستوى آخر. فالنص لا يتحدث فقط عن الهجرة، بل عن «الحرب الهجينة ضد الوحدة الترابية لدولة عضو»، ويصف سبتة في الوقت نفسه ضمن الحدود البرية والبحرية الخارجية للاتحاد الأوروبي.

هنا ينبغي التوقف. فقد يكون كل حدث، إذا أخذ منفرداً، قابلاً للتفسير باعتباره استجابة لأزمة محددة. لكن تراكم الأحداث يطرح سؤالاً مشروعاً : هل نحن أمام مجرد إدارة إسبانية وأوروبية لأزمة صيف 2026، أم أمام ترسيخ تدريجي للوضع القائم من خلال تراكم سياسي ومؤسساتي ورمزي؟

السؤال لا يفترض الجواب. لكنه يستحق أن يطرح.