آخر الأخبار

زيارة البابا ليون الرابع عشر إلى فرنسا

زيارة البابا ليون الرابع عشر إلى فرنسا
الهجرة وقيم الجمهورية في ظل الاستحقاق الرئاسي

مصطفى المنوزي

تتجاوز زيارة البابا ليون الرابع عشر إلى فرنسا، من 25 إلى 28 شتنبر 2026، بعدها الديني المباشر؛ فهي تجري في لحظة تتنازع فيها المجتمع الفرنسي أسئلة الهوية والعلمانية والهجرة، بينما بدأت ملامح الانتخابات الرئاسية لسنة 2027 تؤثر في ترتيب القضايا والخطابات والتحالفات ؛ لذلك لا تكمن أهمية الزيارة في برنامجها الرسمي وحده، بل في السياق الذي يستقبلها ويعيد تأويل رسائلها.
فالزيارة ليست تدخلًا انتخابيًا من البابا، ولا يصح تحميلها وظيفة حزبية مباشرة، لكنها تنتج آثارًا سياسية موضوعية؛ لأن الكلام عن المهاجرين والكرامة الإنسانية والعلمانية والحياة والمصالحة الأوروبية يدخل، بالضرورة، في مجال تتنافس داخله القوى السياسية الفرنسية على تعريف الجمهورية وتحديد من ينتمي إليها.

أي علمانية وأية جمهورية؟
تضع الزيارة الجمهورية الفرنسية أمام سؤال قديم متجدد: هل تعني العلمانية إقصاء الدين من المجال العام، أم تعني حياد الدولة وضمان حرية الضمير والتعبير لجميع المعتقدات؟
يبدو أن البابا يدفع في اتجاه التصور الثاني: لا يطالب باستعادة سلطة الكنيسة على القرار السياسي، لكنه يرفض اختزال الدين في شأن خاص بلا أثر اجتماعي أو أخلاقي ؛ ومن هنا تصبح زيارته اختبارًا لقدرة الجمهورية على استضافة خطاب ديني عام من دون أن تتخلى عن استقلالها، ومن دون أن تحول العلمانية إلى عقيدة مضادة للدين.
غير أن هذا الاختبار لا يخص الكاثوليكية وحدها ؛ فإذا قبلت الجمهورية حضور الخطاب الكاثوليكي باعتباره مساهمة مشروعة في النقاش العمومي، فإن الاتساق مع قيمها يقتضي الاعتراف نفسه للمسلمين ولسائر المعتقدات، ما دامت تعبيراتهم تحترم القانون والنظام الديمقراطي.
وتظهر هنا مفارقة فرنسية واضحة: الاحتفاء بحضور البابا في الفضاء العام، بالتزامن مع تصاعد مطالب منع بعض التعبيرات الإسلامية، ولا سيما الحجاب، حتى خارج المرافق العمومية ؛ وقد عاد هذا الموضوع إلى قلب التنافس السياسي قبيل رئاسيات 2027، وسط خلافات داخل اليمين المتطرف نفسه حول نطاق المنع وكيفية تنفيذه.
لذلك قد تتحول الزيارة، من حيث لا تقصد، إلى مرآة تكشف الفرق بين علمانية تحمي حرية الضمير، وعلمانية انتقائية تتسامح مع الدين حين يكون جزءًا من الذاكرة الوطنية، وتضيق به حين يرتبط بالمهاجرين أو بالإسلام.

المهاجر: من موضوع أمني إلى ذات إنسانية :
تكتسب زيارة البابا لدار «باخيتا»، المخصصة لاستقبال المهاجرين في باريس، دلالة مركزية ، فهي تنقل المهاجر من هامش البرنامج إلى قلب الرسالة البابوية، ومن كونه رقمًا في إحصاءات الحدود أو عنصرًا في خطاب الخوف، إلى إنسان ذي كرامة وقصة وحقوق ، ولا يعني هذا الموقف إنكار حق الدولة في تنظيم الحدود أو مواجهة شبكات الاتجار والاستغلال ؛ لكنه يرفض اختزال الهجرة في الأمن وحده ، لأن التفكير النسقي يقتضي الجمع بين أمن الحدود، وحقوق الإنسان، وسياسات الإدماج، ومسؤولية الدول الأصلية، والحروب والفقر والتغيرات المناخية، وحاجة الاقتصاد الفرنسي نفسه إلى اليد العاملة ؛ ويكمن الخطر في أن تتحول الهجرة، كلما اقتربت الانتخابات، من قضية مركبة إلى أداة تعبئة عاطفية ؛ فبدل مناقشة شروط الاستقبال والإدماج والتمييز والسكن والعمل، يُعاد بناء المهاجر باعتباره مصدرًا للجريمة أو منافسًا على الموارد أو تهديدًا للهوية.
بل أصبحت تدفقات الهجرة نفسها تستخدم أحيانًا وسيلة ضغط جيوسياسي، بما يغذي سرديات اليمين المتطرف قبيل الانتخابات الفرنسية. غير أن مواجهة توظيف الهجرة سياسيًا لا تكون بنزع الإنسانية عن المهاجر، بل بالجمع بين اليقظة الاستراتيجية والحماية الحقوقية ؛ مما يعني بأن الزيارة تقترح نقل النقاش من «كيف نحمي فرنسا من المهاجر؟» إلى سؤال أكثر تركيبًا: كيف تحمي الجمهورية حدودها من دون أن تفقد حدودها الأخلاقية؟

خلفية الانتخابات الرئاسية :
تدخل فرنسا تدريجيًا زمن الانتخابات الرئاسية لسنة 2027 في ظل قلق اقتصادي، وتراجع الثقة في النخب، وتصاعد التشاؤم الاجتماعي، وتقدم الخطابات الشعبوية والهوياتية ؛ حيث أصبحت الهجرة والإسلام والعلمانية من الأدوات الأساسية لإعادة تركيب الاستقطاب السياسي ؛ وفي هذا السياق، يمكن أن تنتج الزيارة ثلاثة آثار متباينة :
أولًا، قد يستثمرها الوسط الرئاسي لإظهار فرنسا بلدًا للحوار الديني والثقافي، ولتعزيز صورة الدولة القادرة على التوفيق بين العلمانية والانفتاح ؛ لكن حرص البابا على تقليص الطابع الاحتفالي الرسمي للزيارة يحدّ من إمكانية تحويلها إلى رصيد شخصي للرئيس ماكرون أو إلى تزكية غير مباشرة لمعسكره السياسي.
ثانيًا، قد تحاول بعض قوى اليمين واليمين المتطرف توظيف المرجعية المسيحية للبابا في بناء سردية «فرنسا المسيحية» في مواجهة الإسلام والهجرة ، بدليل تخصيص الإعلام لبرامج موازية حول الزيارة و “الإسلاموفوبيا ” ؛ غير أن خطاب البابا عن استقبال المهاجرين والكرامة الإنسانية والتضامن يربك هذا التوظيف؛ لأنه يفصل المسيحية الاجتماعية عن القومية الإقصائية ؛ وهنا تبرز مفارقة انتخابية: قد تحتفي تيارات هوياتية بالبابا باعتباره رمزًا للجذور المسيحية لأوروبا، لكنها تجد نفسها في تعارض مع رسالته عندما يدافع عن المهاجرين ويرفض تحويل الهوية المسيحية إلى جدار ثقافي ؛ وتزداد أهمية هذه المفارقة مع تشتت تصويت الكاثوليك الفرنسيين وانتقال جزء منه نحو اليمين المتطرف،وذلك مقابل استمرار تيار كاثوليكي اجتماعي وبيئي متحفظ تجاه الخطابات الإقصائية.
ثالثًا، قد تجد قوى اليسار نفسها أمام تحدٍّ مشابه؛ إذ يمكنها الالتقاء مع البابا في الدفاع عن المهاجرين والعدالة الاجتماعية، لكنها قد تتحفظ على مواقفه في قضايا الإجهاض ونهاية الحياة. ولذلك لا تمنح الزيارة أفضلية انتخابية كاملة لأي معسكر، بل تعبر الانقسامات الداخلية لكل المعسكرات.

الأثر الأعمق: إعادة تعريف الأخوة الجمهورية :
لن يغير البابا وحده موازين الانتخابات الرئاسية، ولا ينبغي المبالغة في قدرة زيارة دينية على تعديل السلوك الانتخابي. لكن الزيارة قد تؤثر في المفردات التي سيُخاض بها النقاش العام.
فشعار الجمهورية «حرية، مساواة، أخوة» يتعرض لاختبار فعلي عند الهجرة. فالحرية والمساواة تحظيان بحماية مؤسساتية وقانونية ، أما الأخوة فتظل القيمة الأكثر هشاشة؛ لأنها تتطلب الاعتراف بمن ” لا يشبهنا ” شريكًا في الإنسانية، لا مجرد ضيف مؤقت أو خطر محتمل.
ومن هنا تكمن القيمة السياسية العميقة للزيارة: إنها لا تنازع المرشحين على السلطة، بل تنازعهم على تعريف الجمهورية ؛ أي هل الجمهورية جماعة هوية مغلقة يحرسها الخوف، أم عقد سياسي مفتوح تنظمه الحقوق والواجبات؟ وهل يكون المهاجر موضوعًا للأمننة الانتخابية، أم ذاتًا إنسانية تخضع للقانون تحظى، في الآن نفسه، بالكرامة والحماية؟
قد تنتهي الزيارة بانتهاء مراسمها، لكن تنازع سردياتها سيستمر حتى الانتخابات الرئاسية ، وسيكون الاختبار الحقيقي هو معرفة أي خطاب سيستوعب رسالتها: خطاب يستعمل التراث المسيحي لترسيم الحدود بين الفرنسيين وغيرهم، أم خطاب يعيد وصل ذلك التراث بقيم الأخوة والتضامن الكوني؟
فالرهان ليس على ما سيقوله البابا وحده، بل على ما ستفعله فرنسا بكلامه ، ليطرح السؤال هل تحوله إلى صورة احتفالية عابرة، أم إلى مناسبة لمساءلة اتساق الجمهورية مع قيمها عندما يتعلق الأمر بالمهاجر والمسلم واللاجئ والإنسان الهش؟