الصرامة الهادئة وإعادة بناء الموقف الاستراتيجي المغربي – 2/3
محمد محاسن
عندما توقظ الأزمة ما كان ساكناً
إن المثير للاهتمام هو أن الأزمة لم تحرك الخطاب الإسباني والأوروبي وحده. ففي غشت 2026 أعاد وزير العدل المغربي عبد اللطيف وهبي القضية إلى النقاش العمومي بصورة مباشرة، مؤكداً تمسك المغرب بما وصفه بـ«الحق التاريخي والجغرافي» في سبتة ومليلية، وداعياً إلى إنشاء آلية أو لجنة للحوار مع إسبانيا للوصول إلى حل نهائي لوضع المدينتين. وقد ردت مدريد برفض هذا الطرح وتأكيد موقفها من السيادة عليهما.
أهمية التصريح لا تكمن فقط في مضمونه. فالموقف المغربي في ذاته ليس جديداً. إنما الجديد هو إعادة إخراجه من الذاكرة السياسية إلى الخطاب الحكومي المباشر.
بعد سنوات طويلة ظل فيها الملف أقل حضوراً في التصريحات الرسمية مقارنة بقضية الصحراء، عاد وزير في الحكومة المغربية ليتحدث علناً عن الحقوق التاريخية والجغرافية وعن الحوار وعن البحث عن حل نهائي. وتزامن ذلك مع استحضار سبتة في خطاب ديني وتاريخي ألقاه وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أحمد التوفيق أمام الملك، في سياق استعادة صفحات من التاريخ المغربي وعلاقة العلماء والذاكرة الوطنية بالمدينة. وإن كان لا ينبغي تحميل تلك الإشارة أكثر مما تحتمل. فهي ليست إعلاناً دبلوماسياً بشأن السيادة. لكن الرموز السياسية لا تعمل دائماً من خلال البيانات الدبلوماسية المباشرة. بل تعمل أحياناً من خلال إعادة تنشيط الذاكرة. وهذا ما يجعل تزامن هذه الإشارات جديراً بالملاحظة.
بين التهدئة والتحفظ: ماذا قالت الدبلوماسية المغربية؟
ولعل الصورة تزداد تعقيداً عندما ننظر إلى أول قراءة دبلوماسية مغربية للقرار الأوروبي.
فقد أكد سفير المغرب لدى الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، أحمد رضا الشامي، أن القرار لا يتضمن اتهاماً أو إملاء تجاه المغرب، وسجل أن تعديلات اعتبرها الجانب المغربي ذات طابع عدائي لم تعتمد، داعياً إلى تغليب حوار منفتح وصريح ورصين مع الاتحاد الأوروبي.
ويمكن فهم هذا الخطاب في إطار الرغبة في احتواء الأزمة وعدم السماح بتحويل خلاف حول قرار برلماني إلى مواجهة مغربية أوروبية. كما أن عدم اعتماد تعديلات اعتبرتها الدبلوماسية المغربية عدائية معطى ينبغي تسجيله.
لكن ثمة مستوى آخر في النص الأوروبي يستحق بدوره التوقف عنده. فغياب اتهام مباشر للمغرب لا يلغي أن القرار يتحدث عن سبتة في إطار «الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي»، ويربط أحداثها بمفهوم «الحرب الهجينة ضد الوحدة الترابية لدولة عضو». وهذا ثابت في الصياغة الرسمية التي نشرها البرلمان الأوروبي.
وهنا ينبغي التمييز بين سؤالين مختلفين: هل اتهم القرار المغرب مباشرة بالوقوف وراء الأحداث؟ و: ما التصور السياسي والسيادي الذي يكرسه القرار بشأن سبتة؟
قد تكون الإجابة عن السؤال الأول مطمئنة نسبياً. لكن ذلك لا يغلق السؤال الثاني. وهذا التمييز ضروري لأن الدبلوماسية تعمل في مستويين في آن واحد. مستوى إدارة الأزمة الآنية. ومستوى إدارة التراكم طويل الأمد للمواقف واللغة والمفاهيم.
ومن هذه الزاوية يمكن قراءة موقف السفير باعتباره خطاباً للتهدئة الدبلوماسية وحماية الشراكة المغربية الأوروبية. لكن ذلك لا يمنع من طرح سؤال آخر : هل تحتاج «الصرامة الهادئة» إلى جناحين متكاملين: هدوء يحمي الشراكة، ووضوح يسجل التحفظ عندما تمس اللغة المستعملة قضية سيادية يعتبرها المغرب غير محسومة؟ فالهدوء الدبلوماسي لا يفقد قيمته عندما يصاحبه التحفظ. بل قد يكتسب قوة أكثر.