مشروع جنبات وادي إسيل بمراكش : حين يُحسم القضاء… وتُقرأ الرسائل بين إزالة الرافعة وتعديل مقرر نزع الملكية .
لم يعد مشروع جنبات وادي إسيل، المقابل للملحقة الإدارية الفخارة، مجرد ورش عادي في مدينة تعرف فائضًا في الأوراش ونقصًا مزمنًا في الانسجام بين القرارات، بل تحول إلى ملف مركب يكشف، بهدوء شديد، كيف يمكن لقرار إداري أن ينتقل من مكتب التوقيع إلى قاعة القضاء، ومن منطق “الرخصة” إلى منطق “تصحيح المسار”.
انطلقت قصة هذا المشروع السكني العجيب و الغريب بحصول صاحبه على الرخصة من طرف النائب الرابع للعمدة المكلف بالتعمير في 19 فبراير 2025 ، بعد التأكد من أن العقار المعني خاضع لمقرر سابق صادر عن المجلس خلال دورة أكتوبر 2024، يقضي بنزع ملكيته لفائدة مشروع تهيئة ضفاف واد إسيل، ما جعل الرخصة في تعارض صريح مع الوضعية القانونية للأرض.
وجاء القرار في سياق مراسلات إدارية امتدت من سنة 2022 إلى 2025، تم خلالها إشعار وزارة الداخلية باختلالات تتعلق بعدم احترام الارتفاقات القانونية لمجرى واد إسيل، وضوابط حماية أسوار المدينة العتيقة المصنفة تراثاً عالمياً، إضافة إلى عدم احترام ارتفاقات الطرق المؤدية إلى الأحياء المجاورة، وتجاهل مقرر نزع الملكية الصادر عن المجلس الجماعي.
وكان للمستشار الجماعي رشيد زلاغ دور بارز في كشف هذه الخروقات وتقديم الشكايات، من خلال تدخلاته داخل دوائر المجلس وعبر قنوات الإعلام، خدمةً للصالح العام وحفاظاً على مصالح الجماعة وكرامة الساكنة المجاورة، مع إثارة المعطيات المتعلقة بمخالفات مساطر منح الرخص، خاصة فيما يخص المشاريع الكبرى بمنطقة النخيل.
وفي تطور لاحق، تقدم صاحب المشروع بطعن أمام المحكمة الإدارية، التي قضت ابتدائياً لفائدته بإلغاء قرار رئيسة المجلس، في انتظار استكمال باقي درجات التقاضي.
وهكذا وبعد سيل من الشكايات والمراسلات المرتبطة باحترام المساطر القانونية، وما رافقها من مطالب بإعادة النظر في الترخيص.
ومع توالي المعطيات، سُجل تدخل المفتشية العامة لوزارة الداخلية، قبل أن يُتخذ قرار سحب الترخيص إداريًا، لتبدأ بعدها مرحلة جديدة عنوانها: القضاء الإداري هو الحكم الأخير عندما تتعدد التأويلات داخل الإدارة.
قضائيًا، صدر حكم ابتدائي في اتجاه معين، قبل أن تتدخل محكمة الاستئناف الإدارية وتعيد ترتيب المشهد القانوني من جديد، بإلغاء الحكم الابتدائي، وتأكيد أن المشروعية ليست خيارًا إداريًا مرنًا، بل قاعدة آمرة لا تقبل الاجتهاد خارج النص.
بلغة أبسط: القضاء لم يكتفِ بتعديل حكم، بل ذكّر بأن الإدارة ليست مساحة تأويل مفتوح، وأن سلطة التقدير لا تتحول في أي لحظة إلى سلطة فوق القانون.
في الميدان، حيث لا تُكتب الأحكام ولكن تُقرأ آثارها، برزت إزالة الرافعة من موقع المشروع كمعطى لافت، إجراء تقني في ظاهره، لكنه في سياق هذا النوع من الملفات لا يُقرأ ببراءة هندسية فقط، بل كإشارة إلى أن شيئًا ما تغيّر في منطق التعاطي مع الملف بعد المسار القضائي.
وهنا تبدأ المنطقة الرمادية في الأسئلة :
هل نحن أمام بداية تنزيل هادئ لمخرجات حكم استئنافي يُفترض أنه حسم المرجعية القانونية ؟
أم أننا أمام مرحلة إعادة ترتيب للمعطيات في انتظار إعادة صياغة بعض عناصر الملف داخل مسار نزع الملكية وما يرتبط به من تعديلات محتملة؟
ويزداد هذا التساؤل حدة حين يتقاطع مع برمجة نقطة داخل جدول أعمال مجلس جماعة مراكش، تتعلق بتعديل مقرر نزع الملكية رقم 2024/10/296 بتاريخ 21 أكتوبر 2024، المتخذ في سياق مشروع تهيئة جنبات وادي إسيل، وهو تعديل يُناقش في جلسة مبرمجة يوم 29 أبريل 2026.
بين حكم قضائي يُفترض أنه حسم الإطار، ومقرر إداري يُعاد فتحه للنقاش، وإجراء ميداني يُقرأ بطرق متعددة، يبدو المشهد أقرب إلى سؤال واحد كبير :
من يُعيد ترتيب من ؟ القانون يضبط القرار، أم القرار يعيد تأويل القانون ؟
وفي خلفية هذا المشهد، تظهر إشكالية أعمق من مجرد ملف تقني: ضعف واضح في الالتقائية بين التعمير والتهيئة والقرار المحلي، بما يجعل بعض الملفات تتحرك بسرعتين مختلفتين داخل نفس المجال الترابي؛ سرعة قضائية حين يحتدم النزاع، وبطء تنموي حين يتعلق الأمر بالمشاريع الهيكلية.
والأكثر دلالة أن مشروع تهيئة جنبات وادي إسيل، المرصود له غلاف مالي مهم، يفترض أن يكون هو “المتن” لا “الهامش” في معادلة التنمية الحضرية، لكنه يظل في موقع التأخر مقارنة بحركية الملفات المتنازع حولها.
هنا تتحول الحكامة من شعار إلى سؤال بسيط ومحرج في الآن نفسه:
كيف يمكن ضمان انسجام القرار العمومي داخل نفس المجال الترابي، إذا كانت المساطر تتحرك أحيانًا بشكل متوازٍ بدل أن تكون منسجمة؟
وفي هذا السياق، يبرز القضاء الإداري، خصوصًا في مرحلته الاستئنافية، كآلية لإعادة ضبط الإيقاع، والتذكير بأن الإدارة ليست سلطة مطلقة، بل ممارسة محكومة بالقانون، وأن أي قرار خارج هذه القاعدة، مهما بدا إداريًا في شكله، يظل قابلًا للمراجعة.
وفي النهاية، يختصر هذا الملف نفسه دون حاجة إلى الكثير من التفسير: التعمير ليس معركة رخص، ولا سباق قرارات، بل امتحان يومي في شيء بسيط ومعقد في آن واحد:
هل القانون هو من يُدبّر القرار… أم أن القرار هو من يُعيد تأويل القانون على إيقاع الواقع؟
وفي هذا الإطار، لا يكتمل أي إجراء ميداني دون:
إعادة الوضع إلى حالته الأصلية وفق المعايير التقنية المعتمدة،
معالجة آثار الأشغال والحفر بشكل هندسي مضبوط،
إخضاع كل التدخلات لمراقبة إدارية صارمة من الجهات المختصة،
وذلك حفاظًا على سلامة المارة ومستعملي الطريق وحقوق الجوار، وضمانًا لحماية الأحياء المجاورة والمجال من أي مخاطر محتملة.
