آخر الأخبار

رحيل فرسان مشروع لم يستكمل بعد – 2 –

محمد الحبيب طالب

صارت عليهما . ولربما لأن القيمة في المعاملات اليومية ، كنا نعيشها ” بالتقسيط ” كمادة للشغل ، أما عندما ينطفئ الشغل ، وتنعدم الحاجة إلى المعاملات ، لا يبقى من تلك الذكريات سوى القيمة المجردة كما هي في كليتها . وأول هذه القيم ، التي تشعرني بألم الخسارة ، ذاك ” السخاء الروحي ” الذي ميزهم جميعا . وليس بوسعي أن أقرب معناه الحي لمن لا يعرفهم عن قرب ، وقد يتبادر إلى الذهن ” السخاء المادي ” ، وهو جانب منه وقد فاق أو ضاعهم الاجتماعية المتواضعة . و لقد علمتني التجربة ، أن ” البخل ” المادي ” بما يخفيه من تضخم الغريزة التملك ، إن أصابت عاهته مناضلا ما ، قد لا ينبئ بخير في المستقبل البعيد . أبدا ، كان سخاوهم أبعد وأعمق من ذلك ، إنه بالأحرى تكتيف للتقاطع والتفاعل بين الفكر والسياسة والممارسة الأنسائية الخالصة ، وإن شئتم أنه مثال ” للعقل العملي ” بتوصيف ” كانت ” أن تحب ” للأخرا تحبه لنفسك ، وأن تعمل بذلك ، وتتقيد به في كل المعاملات . كان هذا معدنهم ومنبع سخائهم الروحي في النظر والعمل . 11 ولأن أيا منهم لم يكن يبحث عن امتياز دنيوي ما ( وقد تقصدت هذا التعبير الديني ) ، غير أن يثمر حرثه بلا كلل مجتمعا أفضل عدالة وديمقراطية وإنسانية ، فلا غرو أن يكون التواضع الأخلاقي ، وما يحمله من نفس ديمقراطي في الإنصات والتعلم من الآخر ، أحد أبرز سحناتهم الشخصية ، وعندما تمتلئ شخصية ما بهذه الفضيلة ، يسهل على أي كان اختراق دواخلها والاطمئنان لخلفياتها وبياض سريرتها . وهي ميزة لا تتمتع بها إلا ” شخصية شفافة ” لا تصد فضول ثقة مخاطبيها بأي غموض في دواخلها ناجم عن إخفاء سر من عللها الدفنية وصبواتها الأنانية الخالصة . إنهم تلاميذ وهم المعلمون ! ولعلها مفارقة في الظاهر ، أن يجتمع التواضع الأخلاقي والشخصية الشفافة بالصمود السياسي الواثق من نفسه ، حتى في أحلك ظروف القمع والتعذيب الجسدي ، وأغلبهم ذاق مرارة السجون . والحق انهما صنوان ، كل منهما ركيزة وحصانة للأخر . لكن ، ما كان لهذه الفضائل أن تتقوى ، وتستقيم ، إلا بتطلعهم الدائم الى العقلانية ومطابقتها التاريخية . وكما يقول أحد المفكرين ، انه ” جهاد المعرفة ” ضد ميولات النفس الخطاءة ، وبغية امتلاك ” الحقيقة الموضوعية ” المتبدلة على الدوام ، فلا شيء ثابت في المكان ، ولاشيء يستمر على حاله في الزمان . فااعقلانية ليست معطي سلفا، ولاهي قواعد ثابتة يحفظها المرء عن ظهر قلب ، بل هي جهاد مستمر، مع نوازع النفس الخطاءة ، إما لتسرع ولنقص معرفي في إدراك تفاعلات الواقع ، وإما لصنميه لغوية خفية ، وإما لحجب اجتماعية مضللة . وفي جميع الحالات ، الجدل دائم ، ومكر التاريخ حاضر وفاعل . وإذا ما تأملنا الممارسة السياسية لهؤلاء الفرسان ، وهي خير شاهد ، لأدركنا خطها البياني المتصاعد نحو المزيد من العقلانية والمطابقة التاريخية ما أمكنهم ، بدءا من انخراطهم في المراجعة النقدية الشاملة التي أجرتها منظمة 23 مارس والتي جسدتها منظمة العمل الديمقراطي الشعبي في كافة الروافع الحساسة لما سعت إليه غايتها في ” دمقرطة المجتمع ودمقرطة الدولة ” . إنها تجربة ساخنة غنية ومتميزة ، وأكاد أقول ، فريدة من نوعها في التجربة التحررية الوطنية ، من حيث شمول ارتباط العمل السياسي بالثقافي لدى كل فرد فيها . تجربة لم تخل من تناقضاتها الخاصة بين النكوص والتقدم ، إلا أن هؤلاء الفرسان كانوا على الدوام في الجانب الطامح للمزيد من والمطابقة التاريخية.

والمناسبة الأليمة لا تسمح لي بجرد تفاصيل أدوار كل منهم في شتى ميادين هذا المشروع والذي لم يستكمل بعد . لقد رحلوا عنا في منعطف لم نكن نتوقع جل أسئلته المحيرة ، وكانت كلمتهم الأخيرة ، التمسك بالمشروع الاصلي الذي لم يستكمل بعد ، والخطوة الأولى على طريقه ، إعادة بناء اليسار ، وتوحيد أجوبته على المستجدات الراهنة . ولا طريق اخر للنهوض مجددا غير وحدة اليسار أولا وأساسا . انها المهمة العاجلة التي تركوها لبقية الجيل ولنفس المشروع الذي نذروا حياتهم من أجله . اعذروني ايها الاعزاء : حسن الصوابني وعبد الواحد بلكبير ورشيد نزهري والسي محمد بلمقدم وحسن السوسي و السي أحمد طليمات ، فكل منكم يستحق حديثا خاصا بقدر العقود التي مضيناها في السراء والضراء سويا . لكن شدة ألمي لفراقكم ولفراق عشرات الأحباء من قبلكم ، أرغمني على أن أنصت لما يقوله الصمت الغائر الجراح في ما بقي مني بعدكم .