آخر الأخبار

بلاغ حقوقي تضامني مع المحامين

لا لتصفية استقلالية المحاماة، وحصانة الدفاع جزء لا يتجزأ من الأمن الحقوقي للمواطنات والمواطنين.

افاد بيان تضامني للمكتب المركزي للجمعية المغربية لحقوق الإنسان، انه يتابع بقلق شديد، الإصرار الحكومي الممنهج على تمرير مشروع القانون رقم 66.23 المنظم لمهنة المحاماة، عبر مخططات تشريعية تراجعية وأساليب ملتوية وضيقة غير ديمقراطية، أقصت المقاربة التشاركية الحقيقية، وداست بالأقدام على الملاحظات الجوهرية والمطالب المشروعة التي رفعتها المؤسسات التمثيلية للمحامين وفي مقدمتها جمعية هيئات المحامين بالمغرب، التي تعد من الموقعين على الميثاق الوطني لحقوق الانسان سنة 1990 والمحين سنة 2013.

وقال البلاغ الحقوقي، إننا في الجمعية نرى، انطلاقا من خطنا النضالي المنحاز كليا لحقوق الإنسان في كونيتها وشموليتها، في هذه الهجمة التشريعية حلقة خطيرة ضمن مسلسل تراجعي تصفوي أوسع، يستهدف تجفيف منابع النضال، وتطويق الحريات العامة، وإفراغ منظومة العدالة من ضماناتها الحقوقية، وفي مقدمتها المحاكمة العادلة وحق الدفاع. فالمحاماة بالمغرب لم تكن يوما مجرد مهنة خدماتية أو مرفق إداري تابع لأهواء السلطة، بل كانت عبر التاريخ حصنا حقوقيا عتيدا، وملاذا آمنا لمؤازرة المعتقلين السياسيين وضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والشطط في استعمال السلطة.

وتأسيسا على الالتزام الأخلاقي والنضالي ـ يضيف البيان ذاته ـ الذي رفعه المحامون أمام المؤسسة التشريعية تحت شعار: “وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا”، يعلن المكتب المركزي تضامنه المطلق واللامشروط مع هيئة الدفاع بالمغرب وإطاراتها المناضلة في كافة معاركها البطولية، لصد الوصاية المقنعة ومحاولات التدجين ونقض العهود التي تقودها السلطة التنفيذية؛ ويعرب عن رفضه القوي لهذا التحول الخطير، من فلسفة الإصلاح التشاركي القائم على البناء المشترك، إلى منطق الانفراد وفرض الأمر الواقع، الساعي لإعادة هندسة بنيان العدالة على مقاس اعتبارات سياسية وحزبية ضيقة، وضعت التوافق في دائرة الشك بدل دائرة الثقة.

كما يسجل، بخطورة بالغة، أن هذا المشروع ما زال محملا بمقتضيات تحكمية، تمس بالعمق التنظيم الذاتي للمهنة، وتفتح الباب لتدخل الإدارة في الشؤون المالية والإدارية والتأديبية للهيئات؛ وهي التجاوزات والخروقات البليغة، التي عرتها رسالة المقررة الأممية الخاصة المعنية باستقلال القضاة والمحامين، مارغريت ساترثويت؛ حيث أكدت بالدليل الحقوقي القاطع أن بنود هذا المشروع (خاصة المواد من 10 إلى 15، ومن 90 إلى 100) تشكل تراجعا خطيرا عن مبدأ التنظيم الذاتي، وتصادر استقلالية الهيئات المهنية لصالح هيمنة وزارة العدل. إن التضييق على حرية المرافعة (المادة 110)، وفرض شروط تعجيزية وإقصائية لولوج المهنة تكرس ندرة الخدمات القانونية وتضرب الولوج العادل للعدالة، ومنح النيابة العامة سلطة التحكم في التأديب المهني (المواد 60-70)، وإجازة تفتيش مكاتب المحامين (المواد 72-75) بما يستبيح السر المهني وحصانة التواصل، ليس ضربا لقطاع فئوي، بل هو تقويض مباشر لحق المواطنين والمستضعفين والمدافعين عن حقوق الإنسان في الوصول إلى دفاع حر، جريء ومستقل.

وفي نفس السياق يدين المكتب المركزي التوجه الاستقوائي، بنية تفكيك المنظومة الاجتماعية والتضامنية المستقلة للمحامين، التي شيدتها الأجيال بتضحياتهم لتأمين كرامة المرضى والأرامل والأيتام، ويعتبرها طعنة للاستقلال الاجتماعي والمالي لجسم المحاماة.

 وبالمناسبة يذكر الدولة المغربية، التي حاولت التستر وراء ردها المكتوب الموجه لجنيف في 15 يونيو، بأن استقلال المحاماة ليس امتيازا مهنيا أو منحة تجود بها حكومة، بل هو أمانة لحماية المجتمع وضمانة دستورية أصيلة، لا تملك الأغلبيات العددية العابرة سلطة مصادرتها.

إن الجمعية تعتبر معركة المحامين معركة وجود للحركة الحقوقية والديمقراطية بأسرها، وتدعو كافة القوى الحية والمنظمات المدنية والنقابية إلى التكتل في جبهة موحدة لمواجهة هذا التغول، مؤكدة انخراطها الميداني والترافعي، ودعمها لكافة الأشكال الاحتجاجية والتصعيدية المشروعة حتى سحب هذا المشروع التراجعي، والعودة إلى حوار مؤسساتي حقيقي يفضي إلى توافق يحصن المكتسبات. كما تطالب مجلس النواب، خلال القراءة الثانية، بتحمل مسؤوليته التاريخية والسياسية في صيانة روح الدستور؛ فالعدد يمنح سلطة التصويت لكنه لا يعوض الحكمة، ولا يفضي إلى فرض احترام المؤسسات ومنع تغول السلطة وتقويضها للضمانات اللازمة والملازمة لإقامة العدل وحق الدفاع.

كما تناشد الجمعية، في ذات الوقت، الجهات المخول لها دستوريا ممارسة حق الإحالة على المحكمة الدستورية، استخدام صلاحياتها لقطع الطريق على القوانين الماسة بجوهر الحقوق والالتزامات الدولية للمغرب.

إن قوة الدول لا تقاس بقدرتها البيروقراطية على فرض تشريعات الأمر الواقع، بل بمدى صونها للضمانات التي تمنح القوانين مشروعيتها. وسيسطر التاريخ بمداد من فخر أن المحامين المغاربة لم يصمتوا، ولم يساوموا، ولم يتراجعوا دفاعا عن مجتمع يحتكم إلى القانون لا إلى موازين القوى العابرة؛ فلا محاكمة عادلة دون دفاع مستقل، ولا دفاع مستقل دون محاماة حرة، موحدة ومحصنة.