رخصة خارج الضوابط… هل تحوّل قطاع التعمير بمراكش إلى منطقة استثناء ؟
تعود شبهات خرق القانون في قطاع التعمير بمدينة مراكش إلى الواجهة من جديد، وهذه المرة عبر ملف يُثير الكثير من علامات الاستفهام حول طريقة تدبير الرخص واحترام وثائق التعمير، في ظل استمرار الجدل حول أداء النائب الرابع لعمدة المدينة المفوض له هذا القطاع الحساس.
ترخيص في منطقة فيلات… لعمارة!
تفيد المعطيات المتوفرة أن رخصة بناء سُلّمت بتاريخ 11 ماي 2025، تسمح بإنجاز عمارة مكونة من طابق سفلي وثلاثة طوابق علوية، داخل تجزئة مخصصة أساسًا للفيلات، ومصنفة ضمن منطقة HV2 حسب تصميم التهيئة القطاعي لـجليز الشرقي المصادق عليه.
وبالرجوع إلى الضوابط المعمول بها في هذا النوع من المناطق، فإن تصنيف HV2 يفرض نمطًا عمرانياً منخفض الكثافة، يقتصر على الفيلات، مع احترام معايير دقيقة تتعلق بالعلو، ونسبة التغطية، والمساحات الفاصلة، وهو ما يجعل الترخيص لبناء عمارة في هذا السياق خرقًا واضحًا لفلسفة التهيئة العمرانية المعتمدة.

المشروع المعني يقع بمنطقة بلبكار، أمام قنطرة واد إسيل، وهي منطقة تعرف حساسية عمرانية وبيئية خاصة، ما يزيد من خطورة مثل هذه القرارات التي قد تفتح الباب أمام تحولات عشوائية في النسيج الحضري.
رخصة سابقة سقطت قانونًا… فكيف عادت للحياة؟
الأكثر إثارة في هذا الملف، أن صاحب المشروع سبق له الحصول على رخصة بناء سنة 2023، غير أن هذه الرخصة سقطت بقوة القانون، لعدم الشروع في أشغال الأساسات داخل الأجل القانوني المحدد في سنة.
وفي هذا الإطار، تنص المادة 49 من القانون 12.90 المتعلق بالتعمير على ما يلي:
مدة\ صلاحية\ رخصة\ البناء\ =\ سنة\ واحدة\ لبدء\ الأشغال
وبالتالي، فإن إعادة الترخيص سنة 2025 لنفس المشروع، دون تغيير جوهري في طبيعته، وداخل منطقة لا تسمح أصلًا بهذا النوع من البناء، يطرح تساؤلات جدية حول مدى احترام المساطر القانونية، بل ويُلمح إلى إمكانية الالتفاف على المقتضيات التنظيمية.
خروقات متكررة… ومن يحمي المسؤول؟
هذه الواقعة ليست معزولة، بل تأتي في سياق سلسلة من الملفات التي وُجهت فيها انتقادات حادة لطريقة تدبير قطاع التعمير خلال الولاية الحالية، حيث يتهم فاعلون محليون النائب الرابع للعمدة بـالتساهل مع خروقات واضحة، بل و”تفصيل” بعض الرخص خارج الإطار القانوني.
ويعيد هذا الوضع إلى الواجهة سؤالًا مركزيًا:
من يحمي المسؤول عن قطاع التعمير؟
وهل هناك غطاء إداري أو سياسي يسمح بتمرير مثل هذه القرارات دون مساءلة؟

أين دور سلطة المراقبة؟
في المقابل، تتجه الأنظار إلى والي جهة مراكش-آسفي، ( فريد شوراق سابقا الخطيب الهبيل )، باعتباره ممثل السلطة المركزية المكلف بمراقبة شرعية قرارات الجماعات الترابية. فالقانون التنظيمي 113.14 يمنح لسلطة الوصاية آليات واضحة للتدخل، سواء عبر طلب إلغاء المقررات غير القانونية أو إحالة الملفات على القضاء الإداري، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بخرق وثائق التعمير المصادق عليها.
غير أن صمت الجهات الرقابية إلى حدود الساعة، في ملفات من هذا النوع، يطرح أكثر من علامة استفهام، ويُغذي شعورًا متزايدًا لدى الرأي العام المحلي بوجود فراغ رقابي أو تردد في تفعيل المساءلة.
نحو فوضى عمرانية؟
إن السماح بإنجاز عمارات داخل مناطق مخصصة للفيلات لا يشكل فقط خرقًا قانونيًا، بل يهدد أيضًا توازن المدينة عمرانياً، ويفتح الباب أمام سوابق قد تُفرغ تصاميم التهيئة من محتواها، وتحولها إلى مجرد وثائق شكلية لا يُعتد بها على أرض الواقع.
وفي انتظار توضيحات رسمية من الجهات المعنية، يبقى هذا الملف نموذجًا صارخًا لحالة الالتباس التي يعيشها قطاع التعمير بمراكش، بين نصوص قانونية واضحة، وممارسات ميدانية تطرح أكثر من سؤال.
فهل تتحرك آليات المراقبة لفتح تحقيق في هذه النازلة؟
أم أن منطق الاستثناء سيستمر في تدبير مدينة بحجم مراكش؟؟
