مَنطق القوة la loi du plus fort أو العقود الرّاشية ..
حسن الرحيبي
لقد اغترّ الجيران بعد هزمهم لفرنسا بمسَاعدة المغرب وحكمة محمّد الخامس .. وأطلقوا على أنفسهم اسم بلد المليون ونصف المليون شهيد . ودخلوا في عجرفة مرَضية . أو جنون العَظمة une mégalomanie . وهذيان وهلوسة مع ارتفاع حرارة رؤوسهم ، صاحبها تضخيم للأنا جعلهم يعتقدون بأن كلّ الجيران ضعفاء وأنهم الأقوى والأكبر حجماً والأضخم مساحةً ، أهداها لهم استعمار غاشم متهوّر ومستبدّ .. ممّا يسمح لهم بالتّخطيط المَاكر للتوسّع على حسابهم وانتهاك حرمة حدودهم . بل التّخطيط للالتفاف حول المَغرب وتطويقه وخنقه ، ومنعه من امتداده الطّبيعي الإفريقي الذي لا يرتبط فقط بإمبراطورية المُرابطين والموحّدين والسّعديين والعلويين .. بل يرجع لما قبل التاريخ ، مما يجعل من المستحيل قطع روابط المغرب وأواصره الجنوبية الممتدّة عبر ساحل المحيط الأطلسي ، وعبر التّاريخ .. لكن عجرفة بومدين وضعف تصوره الاستراتيجي والتّعليمي ، واغتراره بالغاز والبترول والحركات الثورية في افريقيا والعالم الثالث ، وحركة عدم الانحياز واستمرار الحرب الباردة خلال السّبعينات والثّمانينات ، وتشجيع الاتحاد السوڤياتي لهذه الحركات بتسهيل تسليحها .. فضلاً عن اعتبار الملَكيات من الماضي كما اعتقد جمال عبد النّاصر وتلميذه النّجيب معمّر الݣذّافي .. كل هذه الأوهام سهلت الاعتقاد بعدم قدرة المغرب على الصّمود ، مع الاعتقاد الخاطيء بأن المغاربة مستعدّون للثورة بسبب الانقلابات العسكرية ، وأن بإمكانهم بسهولة التفريط في نظامهم التّاريخي العريق ، أو في جزء من أرضهم لأنهم سيساندون الجزائر الثّورية ..
كل هذه القراءات السّطحية للواقع والجهل بالتاريخ وبالشخصية المغربية التي تفضل الموت جوعاً على أن تفرّط في شبر من أرضها .. وتمسّكها بالروابط المقدّسة لتراثها وثقافتها العريقة ونظامها الملكي الوطني المَجيد .. جعلهم يصطدمون بصخرة صلدة وشديدة الصّلابة ..لا تلبث أو تفتأ تتقوّىٰ وتتجذّر أكثر كلما تعرّضت لصدمات خارجية .. تجارب راكمتها عبر تاريخها المديد .. مواجهة المغاربة للدّخلاء من الأتراك وقبل ذلك البيزنطيين والقوط ثم الإسبان والبرتغاليين . وآخرهم الفرنسيين الذين أذاقهم المغاربة أصناف المقاومة والتّلاحم والمواجهات القاسية … ممّا جعل الجَزائر كلّما حاكت مؤامرة ، أو حاولت محاولة تُصاب بخيبة أمل مرّة ، وبفشل دريع .. وهو ما كوّن لديها عقدة أو مرضاً يسمىٰ « المغرب » . فظلّت “تهتهت” وتصاب بالكوابيس وتُرجع خيباتها إلى التآمر عليها من طرف المغرب . لتصاب في النهاية بمتلازمة المغرب le syndrome marocain .فتنتهي إلى حلّ صبياني مُضحك وهو ما لاعبينش ! محرّمينها ! حُرّيمْ قُرّيم …! مع سَرد عدّة ذرائع des prétextes وأسباب لم تقتنع بها هي نفسها .. فكيف تقنع بها شعبها والعالم بالرّجوع ل”العقود الرّاشية ” ؟
فضلاً عن أن مفهوم القوّة ليس ما يتباهىٰ به رئيس عَسكرهم بكثرة « الجّوالق » . بل القوة الحقيقية تتمثّل في قوة الإرادة والاقتصاد وتنوّعه الكمّي والكيْفي ، والمُبادرات الشّخصية والإبداع الذّاتي ، واكتساب المهارات التّكنولوجية والمعارف ، وليس الاعتماد على خامات باطن الأرض وريع الدّولة وشرائها للسّلم الاجتماعي ولصَمت الانتهازيين الطّفيليين المتنفّعين …
أخيراً أدركوا أنّ لأوهامهم وأحلامهم حدوداً . وأنّ ليس للجمهورية الصّحراوية والبّوليزاريو آفاقاً . لأن جميع الدول أصبحت تتحاشى الالتقاء بأعضائه ولا حتّىٰ الحديث معه أو عنه . كما أصبح من الصّعب اقتلاعه أو التّخلّص منه كإرث ثقيل من تركة بومدين (بوخرّوبَة) الرّعناء الحَاقدة والسّاذجة .. حين اعتقد أنه بوضع حجَرة في صبّاط المَخزن سيكون ذلك كافياً لإزعاجه ، بل لإسقاطه ..لكن الحجَرة تحوّلت إلى ورَم خبيث في دماغ الجنرالات . ومن زرع الرّيح يحصد العاصفة !
فاقطعوا العلاقات ، وافعلوا ما شئتهم لأنكم في النّهاية حُشرتم مع صنيعتكم خلف جدار سدّ منيع فأنتم لا تُبصرون !
