حسَن الرّحيبي
من عَهد شيرّرّا إلى عَصر الكَوْرَة ..أو ݣول لابُوك يردّ لوتيد لمّيْضعو !
هذه الكرة الصّينية الخفيفة والرّخيصَة سادت خلال السّتينات والسّبعينات ، كانت تُجرى بها مقابلات حامية الوطيس بدروب الدّواوير المتربة ، والحصَائد أثناء الرّعي بالأحراش الشّاسعة كتطوّر طبيعي للُعبَة شيرّرّا أو الهوكي المغربي الذي أخذ بالانقراض ، بل انقرضَ فعلاً حين كنت ترى رعاة أغنام وأبقار منهمكين ، كلّ واحد منهم يحمل عصَا متينة ، في الأصل خُصّصَت للهشّ على الدواب والمواشي ، ولهم فيها مآرب أخرى ، لكن لطول النهار يجزون الوقت بالانقسام إلى فريقين يتبعون جميعاً كرة لفّوها من الشّراويط والشّطايط(الشّتائت) ، والإسراع بتسجيلها بمرمىٰ متّفق عليه كانوا يسمونه “الموحليلة” ، وهم حفاةٌ يرتدون جلابيب وسخة ومهترئة ، لكن بأجسام قوية وخشنة مثل البغال يدكّون الحَصيدة بأقدامهم الصّلبة المشقّقة ، حتى تصبح تراباً صَفصَفاً كأن لم تغنَ بالأمس ! بعد أن نصَبوا فخاخهم في البراري المترامية ، وتزوّدوا بالتقوى وأيضاً بالماء والخبز الحافي ، دون خوف أو اتّقاء لحرَارة شمس الصّيف القائظة ..لهم تجارب طويلة في ميادين الرعي والزراعة وغيرها ، ويعملون على نقل تجاربهم ومهاراتهم في العمل واللّعب للأطفال المبتدئين ، وكذلك يمرّرون لهم كل حيَل الرعاة الماكرة التي قد يتعرضون لها ، أو يواجهونها في حياتهم ومستقبلهم ، يأخذ أحدهم نفس عصا شيرّرّة ، يغطسها في إحدىٰ مخلفات الأبقار أو الغُضَار(لخضَار) دون أن ينتبه إليه الطّفل الغرّ ، حديث الحُضور بميادين الرعي واللعب ، بعد انتهاء وقت المدرسة أو السّكويلة ، فيأتيه طفل كبير مسرعاً وهو يأمره بتنفيذ خطّة رَدّ الجِمَال، يناوله العصا باسطاً رأسها الملطخ ، متظاهراً بجدّية الموضوع مردداً لازمة :
هاك رُدّ الجّمال !
يبسط الطفل السّاذج يده متحمساً لتحقيق المطلوب ، لكنه ما يكاد يمسك بها حتىٰ يجرّها الطفل الكبير الماكر ، فيمسح فيها كل أوساخ وعفونة الغُضار اللّزج الطازج ، ليتعرض المسكين لسُخرية كل الرعاة الماكرين ، لكن تكون هذه التجربة بدايةً لدروس قاسية خلال عطلة الصّيف المدرسية ، سرعان ما يتحول بدوره لطفل ماكر بتجربة طويلة في الحيل وخداع الرعاة les astuces …نفس ما يتعرض له محضار الجّامع من مكر وخديعة ، كحك ظهر أصبعه الأوسط لمدة طويلة كي تخرج الذبانة الهندية ، أو الضّرب على عضلة ذراعه بقوة بطرف من اليد كي تظهر الرّنيبة ، مع كل ما يصَاحب ذلك من ألم شديد لن ينساه أبداً ، لكن مزيانة بتعليمة ! وأيضاً منح تلميذ مبتديء قطعة نقود لم تعد جائزة وإرساله عند صَاحب الحانوت لشراء الحُمّص وأشياء بسيطة قبل أن ينتبه إليه ويعطيه بعض الشّحطات العنيفة الحارقة يسخّن له بها گفاه ، وإذا علم أبوه بالحَادث يضَاعف له شوْظ العذاب وقسوة العقاب ..
هكذا ربّتنا الحَياة من خلال أحداث بسيطة يورّطك فيها الآخَرون كطلب أحدهم منك الذهاب عند أبيك ونقل له الخبر التالي :
وا ابّا گالت لك امّي رُدّ لوتيد لمّيْضعو !
أنت على نيتك تعتقد أن الأمر جادّ ويتعلق بوتد ربط البهَائم ، بينما يختفي وراء القول الظاهر لغز أخلاقي أعمق وأدهىٰ..
كانت كرة القدم هي شغلنا الشّاغل بالدوار ، ننقسم تلقائياً إلى فرق تلعب منذ الصّباح حتى وقت متأخر من المَساء خلال فصل الخريف بعد أن تكون أشغال البيادر والحقول قد انتهت ، وأيضاً بعد أن تنتهي المواسم وبيع الأطفال الفقراء المَاء ، وشمع الضّوّ بالضّوّ ، ضَوّي عليه يضَوّي علك أمام أبواب الأضرحة الغاصّة بجَحَافل الزائرين القادمين من كل حدَب وصَوب ! عندما ابتلينا بها من طرف أطفال كانوا جيراناً لنا بالدوار قبل أن يضيق الحَال والمقام بآبائهم ويتسَلّلون ليلاً نحو گاراج النّحَيلي قرب خيمة عبد الله الفرجي ، أو موقف كوبّاطا عند الجّيلالي ولد سّي بوبكر ، أو امحمّد ولد موسىٰ ، ليصبحوا في حكم “باتو ما صَبحوا “تاركين خيمتهم خالية إلّا من كلاب يائسة ، وبعض طيور دجاج بائسة لم يفكروا بحملها معهم لتشتتها بدروب الدوار ، وأعماق سُدود الصّبار الشوكي ، فتظل تتضَوّر جوعاً وإحسَاساً بالغدر والهجران un sentiment d’abandonnisme وشوق حَارق لماض جَميل من الرّخاء ، لكن كان ممزوجاً بظروف قاسية من الجَفاف والسّخرَة والحُگرة وأنواع التسَلط والاغتصَاب ..حين كان ينزل مؤذّن الدوار من الأذان والصّلاة ، ثم يدخل عنوةً لإفراغ مكبوتاته في إحدىٰ الشّريفيات المحصَنات الحطّاطات بجنب الجّامع دون أن يستطيع أحد تغيير المنكر لا بسيفه ولا بلسانه ..رغم صِياحها الصّادح ، واستغاثتها اليومية عبر أرجَاء الدّوّار .. لكن لا حنين لا رحيم ! فأصبحوا يعودون خلال عطل الصّيف بلباس جَميل متحضّر ، وبأفكار أرقىٰ بكثير من أفكار الرّعاة البائسين مثلنا ، وأيضاً بألفاظ ومُصطلحات وقوانين مثل :
اضرُب السّانطر دير الشّانديل مَاهْ بّيلانتي كورنين إيلياهْ أورجو توش اعطيني السّيميتر ، لتتحسّن ألفاظنا وتتهذّب أخلاقنا ونكفّ عن القول :
تعالوا آالذّراري نلعبوا التّهراس !
فأصبح المُودير يردّد بدون حرَج :
واللهِ لا إيلياهْ !
وولد حميدة يقول :
مْهِيضرَة عوَض مْهَيْضرَة !
ههههههههههه.
