آخر الأخبار

من ذكريات سنوات الرصاص القاسية

حسن الرحيبي 

من ذكرَيات سنوَات الرّصَاص القاسية . أو عندما أصبحنا واجمين لا يقدرُ أحدُنا علىٰ الكلام :

كانَ ذلك صَباح يوم الإثنين 20 يناير . من سنة 1984 . في عزّ فصل الشتاء القارس بمدينة مرّاكش الجميلة لقربها من جبال الأطلس المُجلّلة بلباس الثلج الناصع البياض . والذي يخلع عليها وقاراً ورونقاً منذ آلاف السنين . لكن في ذلك الصّباح لم تعد الفرحةُ تطبعُ مُحيّانا . حين كانت النّكت هي سيدة الموقف . وتبادل الأخبار ، وامتلاء قاعة الأساتذة من كل الأجناس : رومانيين وبلغار وفرنسييين ومغاربة وألمان وهنود . تتعدّد اللّهجات واللّغات . وتُناقَش مواضيع سياسية وفكرية وتربوية . كما تُتبادل الأفكار والآراء حول الطرق التربوية وكيفية إنجاز الدروس . لكن كانت السياسة هي الجانب الغالب والأكثر جذباً للجميع . بسبب صُعوبة الظروف الإقتصادية في عزّ نظام التقويم الهيكلي . ومنع استيراد كثير من المواد . وغلاء المعيشة . والقمع السياسي والحريات المحدودة ، والحقوق المهضُومة لرجال التّعليم آنذاك . كما كانت حرب الصحراء في عزّ أوجها بسبب التدخل الجزائري المباشر . وأيضاً التدخل اللّيبي للگذافي مما هدّدنا في معيشتنا اليومية . وقلّص من طموحاتنا وتفكيرنا . لم نعد نجتهد في الدروس . كما لم تعد الحكومة تطلب منا سوى الالتزام بالحضور وانتظار خُطب عيد العرش ليعلن المَلك عن الزّيادة في الأجور التي لم يحن بعد وقتها . الكلّ ناقم تلاميذ وأساتذة . أعلن الدّاخليون إضراباً عنيفاً في ظاهره مُطالبة بتحسين الأوضاع ووجبات الأكل والحمّام ( الدّوش) . ولكن في باطنه مطالب سياسية قديمة تراكمت منذ عهد الاتّحاد الوطني لطلبة المغرب . والمُعارضة الاتّحادية بزعامة المهدي بنبركة . لكن هذه المرّة بألوان حركة إلى الأمام لأبراهام السّرفاتي . مُزركشة بصور الإمام الخُميني وشعارات الثورة الإيرانية الفتية . تدخّلنا كمجلس داخلي مُنتخَب للثانوية . أقنعنا التّلاميذ المُعتصمين في ساحة مظلمة من ثانوية محمد الخامس . حتى الساعة العاشرة ليلاً . توافد المسؤولون ليقنعوا التلاميذ . بواسطتنا بسبب سمعة الأساتذة خاصةً مُدرّسي الفلسفة والفكر الإسلامي الثوريين لطبيعة مادة تدريسهم . لكن في الصباح عثر مفتشو الشرطة لدى التلاميذ على صور للخميني ومعارضي حركة إلى الأمام . كانت مراكش كلها مشتعلة وكذلك الدار البيضاء والناظور وكل مدن المغرب تغلي بسبب غلاء المعيشة والأزمة الاقتصادية والسياسية . كان المرحوم الحسن الثاني في أوج قوته وصرامته . وإشعاعه السياسي على المستوى الإسلامي والعربي . لم يفهم أحدٌ سرّ إنعقاد المؤتمر الإسلامي وحضور رؤساء كل الدول الإسلامية من ماليزيا وإندونيسيا وباكستان وغيرها . وماذا سيقدمون للقضية الفلسطينية وللأزمَة المغربية . تظاهر المواطنون وتدخل الجيش بعنف ليسقط آلاف الضحايا . بمن فيهم أطفال وُجدت جيوبهم مليئة بكوْيرات اللّبي الزّجاجية des billes . مما يدلّ على أن المسألة لم تعد تعني التّلاميذ وحدهم ، بل كلّ المواطنين . كما كان أيضاً إدريس البصري في عزّ قوته البوليسية والقمعية . عقد المَرحوم الحسن الثّاني ندوة صحفية للحديث عن نتائج مؤتمر لم يضف أية قيمة سياسية أو عسكرية للقضية الفلسطينية . لم يقتنع الناس إلّا بجانبها الاحتفالي المرتبط بأُبّهة القصور وفخامتها . وولائم الأكل وحفلات الشّواء الباذخة . وإلّا ماذا ننتظر من حلول يقدمها الرئيس ضِياء الحق قاتل ذو الفقار علي بوتو ؟ وماذا كان يشغل الملوك والرؤساء آنذاك سوى الحفاظ على عروشهم وكراسيهم ؟ أما القضية الفلسطينية فكانت آخر ما يفكرون فيه .
بعد ذلك ألقى الملك خطاباً هدّد فيه أهل الشمال الذين يعيشون على التهريب والسرقة . وسمّى المتظاهرين بالأوباش . كما هدّد رجال التعليم بالسجن والفصل لأنهم يحرضون التلاميذ على الإضرابات والتظاهر مختبئين وراءهم لما يطبع سولكهم من جبن سياسي وتأخر معرفي وتربوي . عرَض صوراً للإمام الخميني كدليل على التدخّل الإيراني السّافر والركوب على أزمة معيشية داخلية كي تبدو كثورة عارمة ضد الظلم على الطريقة الشيعية . أحسّ الجميع بالخوف والإهانة . لم نستطع الحديث أو النّبس ببنت شفة . بل ركن كل واحد منا دراجته النارية في مكانها والتحق بفصله . مباشرةً دون المرور نحو قاعدة الأساتذة التي أصبحت خاويةً على عروشها ، من مغاربة وأجانب . إلّا من بعض القطط والحراس المجبورين على نقل ما يدور بين الأساتذة من أحاديث تحتاجها السلطة للبطش وإخفاء المعارضين في دهاليز مظلمة ، بعضهم لم يطلع منها إلى اليوم فيما سمي بالاختفاء القسري .