أحمد قاشة
ملاحظات سريعة بشأن السياق المرجعي لمواقف المناضلين الماركسيين المغاربة اليهود من الصهيونية :
يجدر التذكير بمناهضة ماركس ، اليهودي المنشأ، لليهودية مناهضة معمقة ماديا . وهي في نظر خصوم الماركسية ، خلال القرن الماضي ، من جمهرة الكتاب المناهضين لمناهضة السامية anti antisémites ، هذه المناهضة من ماركس هي مناهضة للسامية antisémitisme وربما هتليرية أو ما شابه ، وبما أنه يهودي الأصل طفق بعضهم يسبر خبايا موقفه فرويديا بالتحليل النفسي ! مناهضة ماركس ، بمثل ما يستشهد به إلياس مرقص، عامة : برونو باور ، فويرباخ ، موزس هِس (قبل ان ينقلب مفكرا صهيونيا) ، غوته ، فولتير ، القرن الثامن عشر ، الفكر البرجوازي الثوري كله ، الأدب الإنساني ، التراث التقدمي الخالد يحمل هذا النَّفَس المناهض لليهودية . هؤلاء الذين كانوا إلهويين Deistes يؤمنون بكائن أسمى متعال و يرفضون الدين و الأديان ، أو كانوا “حلوليين” سبينوزيين أو كانوا ملحدين مجمعون على معارضة و مناهضة اليهودية . يعجبون ب أو يحبون أو يثمنون الصين ، الفرس ، العرب ، الإسلام …إلخ ولكنهم لا يحبون اليهودية و اليهود بوصفهم يهوداً . الفكر البرجوازي الثوري الإنساني يأخذ على اليهودية ( الدين والجماعة) خصوصيتها ، تعصبها، لا كليتها ، ولا إنسانيتها ولا أخلاقيتها ، بعدها عن المخاض الأوروبي ، عن التاريخ و مصائر الشعوب وعواطفهم و تطلعاتهم ، عن البشر وسعادتهم . في أواسط القرن التاسع عشر ، لاسامية برودون ذات التوجه الاستئصالي الداع إلى تهجبر اليهود إلى آسيا و اللاسامية العنصرية العرقية لدوهرينغ هما انحطاط و كاريكاتير للموقف العام للفكر البرجوازي الثوري . في القرن العشرين الخارج من جحيم الهتلرية جان بول سارتر مثلا، اليساري المشارك في عضوية <<محكمة>> برتراند راسل المعقدة لمحاكمة مجرمين حرب فيتنام وبالتالي المناهض للإمبريالية لكن المؤيد لحق إسرائيل في الوجود و المشبع بالنزعة الصهيونية العفوية – التي كانت تحدو مجمل اليسار الأوروبي في السنوات التالية للحرب العالمية الثانية والتي ارتبطت في مخياله بمناهضة النازية والفاشية – ( صاحب « تأملات في المسألة اليهودية » :Réflexions sur la question juive ، 1946 تحت شعار اللاسامية تصطنع اليهود) . هو«عكس» برودون و دوهرينغ ، إنه ضد ضد السامية ، يأخذ على الفرنسي المتوسط «عدم حبه لليهود» . يمتحنه نافذاً إلى وجدانه و سريرته، يُحمِّله وزر أفران الغاز ، يتهمه بالتواطؤ مع الإنجليز ضد الشعب اليهودي وقيام إسرائيل و حياتها (توسعها) ! مسألة فلسطين تابعة ل « مسألته اليهودية» ( أنظر Abdelkébir khatibi : Vomito blanco الصهيونية والوعي الشقي le sionisme et la conscience malheureuse edit 10–18 . 1974) . ألبير كاموA. Camus ، أحد أبطال سوق الكتاب في المشرق والمغرب العربيين ، خلال ستينات وسبعينات القرن الماضي ، أكثر حقارة وقذارة (أنظر أول مقالات كتابه : Actuelles II وهو مقال مقدمة لكتاب جاك ميري j. Mery : Laissez passer mon peuple ، «دعوا شعبي يمر»Ed. du Seuil -1948) ، تحت شعار : « أرض بلا شعب لشعب بلا أرض»». وبنفس الروحية الصهيونية الاستئصالية يصف(André Glucksmann) أندريه غلوكسمان ، اليساري الماوي المنتسب إلى دائرة الفلاسفة الجدد بفرنسا بداية و النيوليبرالي «المثقف على ضفتي الأطلسي» المناصر للسياسة الامبريالية الأمريكية ختاما ، وهو موقف مشترك على نطاق واسع بين المقتنعين من المثقفين الغربيين بأن “الخطر” السوفياتي لا زال يهدد أوروبا ، يصف الفلسطينيين إذن بمثال العدمية المعيشة باعتبارهم ضربا من التجسيد الخالص و البسيط للشر من حيث إنهم حفنة إرهابيين انتحاريين تحولوا بفعل الكراهية الدينية إلى متعصبين يحدوهم غضب أعمى معاد للسامية . عدا عن الإفلاس الأخلاقي المدوي لـ يورغن هابرماس و انسلاخ فكره عن “الكونية ” و “المجال العام” و”التداول الديمقراطي ” و “الحوار العقلاني” و”المواطنة المتساوية ” و”كرامة الإنسان ” التي ما فتئ يتشدق بها في كتبه ومحاضراته ، خوفا من تهمة معاداة السامية ، و معه أستاذ العلوم السياسية نيكولا دياتلهوف و الفيلسوف الشهير رينر فوريست و أستاذ فلسفة القانون كلاوس غونتر، إثر البيان صدور بيانهم الذي عنونوه ب ” مبادئ التضامن ” حول ما يجري في قطاع غزة ، و أدانوا فيه ما سموه ب « المجزرة التي ارتكبتها حماس ضد إسرائيل بنية إبادة الحياة اليهودية بشكل عام» انطلاقا من زعمهم بأن هناك بعض المبادئ التي لا يجب أن تكون محط خلاف وهي «مبادئ تشكل أساسا لتضامن مُفكَّر فيه و مُتَعَقًّل مع إسرائيل واليهود و اليهوديات في ألمانيا » لا مع حق الشعب الفلسطيني في الوجود و مواجهة الاحتلال ! كما لو أن إعلان التضامن مع الشعب الفلسطيني يعصف بالالتزام الأخلاقي لهابرماس و جماعته إزاء حق اليهود في الوجود . لكشف ازورار البوصلة الأخلاقية ل هابرماس و “المبادئ” المزعومة المتعلل بها هنا ، يكفي التذكير بأكذوبة ، ذات صلة بالسردية التي يتبناها والتي داوم الصهاينة على ترديدها حول إبادة اليهود في الفترة النازية ، مفادها أن الضباط النازيين السابقين العاملين كمدربين في مصر عبد الناصر! كانوا مصممين على تصدير المحرقة إلى الشرق الأوسط أيضا . لذلك ، مرة أخرى ، على اليساري أو الليبرالي الألماني أن يكون صهيونيا لكي يكون معاديّا للنازية والفاشية . المنطق السليم يفرض أنه يمكن أن يكون المرء بل يجب أن يكون مع اليهود ضد هتلر و أفران الغاز ، ضد كل أشكال وأنواع الإضطهاد ، ضد التمييز و المنع ، ويجب أن يكون مع انتفاضة غيتو وارسو و مع مقاومة غيتو غزة ، مع اليهود ضد الألمان و الفاشيستية الأوروبية ، و أن يكون ضد اليهودية كخصوصية ، وضد الصهيونية ، ضد الدولة اليهودية ، ومع فلسطين ضد إسرائيل ، لكن :هؤلاء المثقفون يرفضون مبدئيا العبارات الأخيرة: مع فلسطين ضد إسرائيل فهي في تصورهم خروج عن “المبدأ الأخلاقي”والعبارات السابقة تكون في نظرهم تأييداً لهذا المبدأ . هذا المبدأ الذي يحمل في ثناياه تناقضاً وخداعاً ولُؤماً والذي ليس في الواقع شيئا آخر سوى الخضوع للابتزاز الصهيوني باللاسامية. إنهم لم يفهموا العصر الراهن ولا التاريخ بل ولا مسالة الانعتاق اليهودي ، بشقيه : الانعتاق السياسي بتجاوز الدولة التي باتت يهودية وحقوق الملكية الأنانية وكل أشكال الاغتراب و المجتمع المدني البرجوازي . و الانعتاق الإنساني عن طريق المضي إلى المجتمع الإنساني أو الإشتراكي ، كما صاغها ماركس في «حول المسألة اليهودية» ل برونو باور وماركس حيث يقول: « في دلالته الأخيرة ، التحرر اليهودي هو تحرر البشرية من اليهودية» كدين وخصوصية جماعة متقوقعة متعصبة ، لا كلية ولا إنسانية ولا أخلاقية . « اليهودية دين المال ، عبادة المتاجرة . المال هو إله إسرائيل الغيور …الأساس الدنيوي لليهودية هو الحاجة العملية ، المنفعة الشخصية» بتعبير ماركس. . إن المأثورة الأولى الكبرى لرجال من طراز أبراهام ليون ، حنا أرندت ، ماكسيم رودنسون ، إيزاك دويتشر ، و المصريين اليهوديين يعقوب صنوع و داود حسني ( : دافيد حاميم ليفي ) و المناضلين اليساريين المغاربة اليهود أبراهام السرفاتي و إيفلين السرفاتي وأسيدون سيون وشمعون ليفي و إدمون عمران المالح و يعقوب كوهين ، على الفكر الماركسي و على المصائر البشرية أنهم وقفوا ضد الصهيونية ، عارضوا الابتزاز باللاسامية ، و ضربوا التجاهل الماركسي وغير الماركسي شبه العام للمسألة اليهودية ذاتها ، و تبنوا شعار ماركس :« أنا بشر ولا شيء مما يهم البشر بغريب عني » . ناهيك عن الحراك اليهودي الصاعد المناهض للصهيونية و إبادة الشعب الفلسطيني في غزة (المؤرخ الأمريكي نورمان فيلكنشتاين N. Finkelstein و استاذ العلاقات الدولية آفي شلايم Avi Shlaim و المؤرخ إيلان بابي Ilan Pappé و البروفيسور جاك بيرس ، الطبيب الفرنسي الشهير ، و اللائحة طويلة ) . على من لم يقرأ مؤلفاتهم وكتاباتهم أو رسائلهم أن يقرأها ويعيد قراءتها
