قانون المالية لعام 2027 : المغرب يتبنى ميزانية خضراء لأول مرة
قبل أسابيع قليلة من الانتخابات البرلمانية المقررة في 23 سبتمبر، وبينما يتركز اهتمام وسائل الإعلام على الطابع السياسي للإطار العام، يجري تحول هادئ في إدارة المالية العامة. سيكون مشروع قانون المالية لعام 2027 أول ميزانية في المملكة تتضمن رسميًا نظامًا لتصنيف الانبعاثات المناخية. وقد مرّ هذا التطور غير المسبوق مرور الكرام.
وقّع رئيس الحكومة بتاريخ 23 ابريل 2026 التعميم رقم 6/2026، معلناً بدء تطبيق نظام تصنيف الميزانية المناخية. يهدف هذا النظام إلى تحديد وتصنيف وتتبع مخصصات الميزانية بناءً على تأثيرها المحتمل على المناخ، سواءً كان ذلك من خلال الحد من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري أو التكيف مع آثار تغير المناخ. تم اختيار ثلاث وزارات للمرحلة التجريبية: التجهيز، والنقل، والزراعة. وستُستخدم ميزانياتها للسنتين الماليتين 2026 و2027 كأرضية اختبار للمنهجية قبل تعميمها تدريجياً على جميع الدوائر الحكومية. وقد نظّمت مديرية الميزانية ورشة عمل لبناء القدرات، عُقدت يومي 18 و19 يونيو/حزيران 2026 في الرباط، جمعت بين جهات الاتصال التي حددتها الوزارات المشاركة في المرحلة التجريبية، وأعضاء الفريق العامل المشترك بين الوزارات، وممثلي الشركاء التقنيين والماليين. أكدت وزارة الاقتصاد والمالية أن هذا المشروع يُمثل استمرارًا لجهود المملكة نحو التنمية المستدامة، وتحديدًا مكافحة آثار تغير المناخ، من خلال دمج الاعتبارات البيئية والمناخية في التخطيط والإدارة المالية العامة. وتهدف هذه الآلية إلى أن تكون أداة أساسية للتخطيط واتخاذ القرارات، بما يُسهم في رفع كفاءة الإنفاق الحكومي على العمل المناخي. ويُعد هذا الإصلاح جزءًا من ديناميكية بدأت عام 2024، عندما أدرجت الحكومة، لأول مرة، المساهمات المحددة وطنيًا (NDC) بشكل صريح في دورة برامج الإنفاق الحكومي الثلاثية. وقد أُنشئت وحدة مناخية داخل وزارة الاقتصاد والمالية لتنسيق هذه الجهود وضمان توافق الميزانية مع أهداف المغرب المناخية. وجعل التعميم رقم 5/2025 الصادر عن رئيس الحكومة مراعاة الأهداف المناخية إلزامية في مشاريع السياسة العامة القطاعية، مما يضمن التوافق بين الالتزامات الدولية والإطار المالي الوطني. وتُخصص الخطة ما يقارب 96 مليار دولار للاستثمارات المناخية حتى عام 2035، منها 21 مليار دولار لشبكات الكهرباء و13.9 مليار دولار لقطاع النقل. لتحقيق هدف خفض الانبعاثات بنسبة 53% بحلول عام 2035 مقارنةً بالسيناريو الأساسي، سيتعين على المغرب إجراء تعديلات هيكلية جوهرية، أبرزها زيادة حصة الطاقة المتجددة ثلاثة أضعاف والتخلص التدريجي من الفحم، والمقرر بحلول عام 2040. ورغم أن المغرب يُعدّ من الدول ذات الانبعاثات المنخفضة من غازات الاحتباس الحراري، إلا أنه شديد التأثر بتغير المناخ. ففي الواقع، شهدت الفترة من 2019 إلى 2023 أطول وأشد موجة جفاف مسجلة، حيث كان عام 2023 الأكثر جفافاً في تاريخه، وهو رقم قياسي يمتد لثمانين سنة على الأقل.
تعتمد الوثيقة الإطار مشروع قانون المالية لعام 2027، التي أُرسلت إلى الوزارات في 5 غشت الجاري، على خطين زمنيين. فمن جهة، تحدد أولويات الميزانية للعام المقبل (تعزيز المكاسب الاقتصادية، والحد من التفاوتات الإقليمية، وتقوية دولة الرفاه، والحفاظ على الاستقرار المالي). ومن جهة أخرى، تتضمن أسس إصلاح هيكلي سيتجاوز التغيرات السياسية. ويضفي الجدول الزمني الانتخابي بُعدًا سياسيًا فريدًا على هذه العملية. إذ يتعين على الوزارات تقديم مقترحاتها قبل 31 غشت ، ومن المقرر عقد جلسات استماع بين 7 و17 شتنبر 2026 ، وستُجرى الانتخابات في 23 منه وسيتم الانتهاء من مشروع قانون المالية لعام 2027 إلى حد كبير قبل أن يدلي الناخبون بأصواتهم. وتُعد الحكومة المنتهية ولايتها الميزانية، لكن الحكومة الجديدة سترث مسودة شبه مكتملة. ومع ذلك، فإن هذا الإصلاح الخاص بتصنيف المناخ هو ما يميز مشروع قانون المالية هذا عن جميع مشاريع القوانين السابقة. قد يكون الإرث السياسي لحكومة أخنوش، في الواقع، شهادة خضراء، تجسد تحولاً هادئاً في إدارة المالية العامة، يضع المملكة على طريق الاستدامة البيئية. ومن الجدير بالذكر أن المساهمات المحددة وطنياً 3.0 تتميز بربطها المباشر بالميزانية. وقد أكدت وزارة الاقتصاد والمالية أن المغرب قد بذل جهوداً رائدة لمواءمة برمجة ميزانيته الثلاثية مع التزامات المساهمات المحددة وطنياً، مما يضمن مصداقية واستدامة المشاريع غير المشروطة. ويُعد دمج أهداف المناخ في برمجة الميزانية الثلاثية خطوة مؤسسية هامة إلى الأمام، إذ يُرسي مساراً ملزماً: فلم تعد التزامات المناخ مجرد إعلانات نوايا، بل أهدافاً مدعومة بموارد ميزانية محددة. كما يضمن هذا التكامل استمرارية الجهود الحكومية: فحتى في حال تغيير السلطة السياسية، تبقى التزامات المناخ راسخة في برمجة الميزانية، مما يحميها جزئياً من عدم اليقين الانتخابي. ويعزز هذا التكامل المصداقية الدولية: إذ يستطيع المغرب أن يقدم لشركائه التقنيين والماليين خارطة طريق ملموسة للميزانية، وليس مجرد وعود.
بينما انصبّ تركيز الرأي العام على الطبيعة السياسية لوثيقة إطار الميزانية وسيطرتها على الميزانية من قبل الحكومة المنتهية ولايتها، مرّت هذه الثورة الصامتة دون أن يلاحظها أحد. صحيح أن تصنيف المناخ قد تصدّر عناوين الأخبار، لكن فقط باعتباره تطورًا تقنيًا أو مشروعًا تجريبيًا. مع ذلك، لا بد من ربط هذا التصنيف بوثيقة إطار قانون المالية لعام 2027 لاستخلاص تفسير سياسي له. إن الفجوة بين المعالجة السياسية – وهي ظاهرة متكررة في كل انتخابات – والنطاق الفعلي للإصلاح لافتة للنظر. يُمثّل تصنيف المناخ في الميزانية، المدعوم بتعميم حكومي ومرحلة تجريبية جارية، تقدمًا مؤسسيًا كبيرًا. فهو يضع المغرب بين الدول الرائدة في مجال الميزانية الخضراء في المنطقة. كما أنه يفي بالمعايير الدولية ويعزز مصداقية التزامات المملكة المناخية لدى شركائها التقنيين والماليين. لقد أعدّت حكومة أخنوش ميزانية 2027، لكنها حددت أيضًا كيفية تقييم هذه الميزانية وتبريرها في السنوات القادمة. يُعدّ نظام تصنيف البيئة وتغير المناخ (ECB) أداة حوكمة ستتجاوز التغيرات السياسية، وستفرض على الحكومة القادمة إطارًا تحليليًا لم تختره هي: إطار تأثير المناخ. ويمثل هذا التحكم في أدوات صنع القرار العام، والذي يتجاوز بكثير مجرد التوجيهات المالية، نهجًا غير مسبوق. ويزداد هذا التقييد فعاليةً لأنه يستند إلى شرعية مزدوجة. فمن جهة، تُعدّ الحكومة المنتهية ولايتها الميزانية وترسم مسار الحكومة التي تخلفها. ومن جهة أخرى، تتوافق وثيقة الإطار تمامًا مع الرؤية الملكية لنموذج اقتصادي واجتماعي وبيئي متجدد. وبالتالي، سيتعين على الحكومة القادمة العمل ضمن هذا الإطار. وتقتصر المرحلة التجريبية على ثلاث وزارات للسنتين الماليتين 2026 و2027. ومع ذلك، لا يزال التحدي هائلًا: إذ لم يتم تمويل سوى 3 % فقط من احتياجات التكيف مع تغير المناخ حتى الآن، ولم يُخطط بعد لتعميم تصنيف المناخ على جميع الوزارات. وسيحتاج نظام التصنيف إلى اختبار، وتحسين الأدوات، وتعزيز القدرات. حضر المشاركون في ورشة العمل التي عُقدت يومي 18 و19 يونيو عروضًا تقديمية تضمنت المنهجية المعتمدة ومحاكاة وضع العلامات التي أُجريت ضمن ميزانية الاختبار، إلا أن التنفيذ العملي واسع النطاق لا يزال قيد التطوير. والأهم من ذلك، هل ستتبنى الحكومة المقبلة، المنتخبة من الشعب، هذا الإصلاح؟ يلتزم الإطار العام بهذا الإصلاح، لكن تنفيذه سيعتمد على الإرادة السياسية لصناع القرار في المستقبل. لا يوجد ما يضمن زيادة معدل قبول التعديلات. بل قد تكون الحكومة المقبلة أكثر تقييدًا، خاصة في بداية ولايتها. إن الشرعية المزدوجة للوثيقة تجعل الإصلاح لا جدال فيه من حيث الجوهر، لكن تنفيذه التقني والمالي يبقى مرهونًا باستمرار الجهود السياسية. في نهاية المطاف، يُعد قانون المالية لعام 2027 أكثر بكثير من مجرد وثيقة ميزانية. فهو بمثابة شهادة سياسية لبرلمان يقترب من نهايته، وأولى خطوات حوكمة عامة جديدة في المغرب، حيث يتوقف المناخ عن كونه مجرد خطاب، ويصبح معيارًا أساسيًا لتخصيص الموارد. الحكومات تأتي وتذهب، وتبقى الدولة. لكن ربما يكمن الإرث الحقيقي لهذه الميزانية في هذا البُعد المزدوج – السياسي والبيئي.
