يحتل المغرب الرتبة 76 عالميًا، مدفوعٌ بقوة الأسرة، لكن التعليم يعيق تقدمه
يُمكن للمغرب الاعتماد على متانة بنيته الأسرية، لكنه لا يزال يُكافح لتحويل هذه الميزة الاجتماعية إلى ازدهارٍ مستدام. يُسلط مؤشر معهد ليجاتوم لعام 2026 الضوء على تأثير تدني التحصيل العلمي والفوارق التي تُعيق تقدم المملكة.
يحتل المغرب المرتبة السادسة والسبعين من بين مئة وواحد وستين دولة. هذا هو ترتيب المغرب في النسخة السابعة عشرة من مؤشر الازدهار العالمي، الصادر عن معهد الازدهار البريطاني، المعروف حتى عام 2024 باسم معهد ليجاتوم. يقدم هذا التصنيف منظورًا مزدوجًا: فالمملكة تبدو قوية في مجال العلاقات الإنسانية، لكنها أقل تقدمًا بشكل ملحوظ في التنمية المادية، لا سيما التعليم، الذي يحتل المرتبة 122 عالميًا. وبين هذين النقيضين، يرسم ترتيب المغرب صورة لبلد يتطور فيه التماسك الاجتماعي بوتيرة أسرع من الاقتصاد.
وتستند نسخة عام 2026 التي لم تُنشر منذ عام 2023 إلى مراجعة منهجية شاملة: حيث يتم الآن تجميع 615,877 نقطة بيانات و 130 مؤشرًا باستخدام مبدأ رياضي جديد، هو “المتوسط الحسابي”. وعلى عكس المتوسط الحسابي البسيط، تمنع هذه الطريقة أي دولة من تعويض ضعف خطير في مجال ما بنجاح في مجال آخر. يصنف التصنيف ثلاثة مجالات رئيسية – التنمية والحرية والمجتمع، والأخير هو إضافة جديدة لهذه الطبعة – والتي تنقسم بدورها إلى عشرة أركان.
هذا الهيكل تحديدًا هو ما يُبرز التباين في وضع المغرب. ففي مجال التنمية، الذي يقيس مستويات المعيشة والصحة والتعليم، تحتل المملكة المرتبة 103 عالميًا. ويضعها مؤشر مستويات المعيشة في المرتبة 104، والصحة في المرتبة 80، والتعليم في المرتبة 122، وهي أسوأ نتيجة لها في جميع الفئات. أما في مجال الحرية، الذي يشمل السلم المدني وحرية التظاهر والحرية الاقتصادية، فيحتل المغرب المرتبة 84، مع مستوى قوي نسبيًا في الحرية الاقتصادية (المرتبة 54) ولكن مستوى متأخر في حرية التظاهر (المرتبة 108).
وفي المجال الثالث، وهو المجتمع، تحقق المملكة أفضل نتائجها: المرتبة 60 عالميًا، مدفوعة بشكل خاص بمؤشر تماسك الأسرة، حيث ارتقى المغرب إلى المرتبة 36، وهو أفضل تصنيف له في المؤشر بأكمله. ويقيّم هذا المؤشر مدى تمتع المواطنين بالفوائد الطبيعية للحياة الأسرية، استنادًا إلى بيانات الخصوبة والحقوق الأساسية للمرأة. في المقابل، يبقى مؤشر تماسك المجتمع، الذي يقيّم الثقة ودعم الجيران، أضعف، حيث يحتل المرتبة 94.
مع ذلك، ووفقًا لنتائج التقرير نفسه، فإن مجال المجتمع “هو الأكثر ارتباطًا بالازدهار العام”، حتى أكثر من التنمية أو الحرية. بعبارة أخرى، تكمن قوة المغرب النسبية تحديدًا في أحد أهم الركائز الإحصائية في التصنيف النهائي.
يوثق التقرير أيضًا مسارًا إيجابيًا على مدى عقد من الزمان. في تصنيف الدول التي حققت أكبر تحسن في ركيزة الصحة بين عامي 2015 و2025، يحتل المغرب مركزًا متقدمًا، إذ ارتقى أحد عشر مركزًا ليحتل المرتبة الثمانين الحالية. هذا التقدم، وإن كان متواضعًا من حيث القيمة المطلقة، يضع المملكة ضمن الدول العشر التي حققت أكبر تقدم في هذه الركيزة على مستوى العالم، إلى جانب كوريا الجنوبية والإمارات العربية المتحدة وليتوانيا ومقدونيا الشمالية.
يُمكّننا تصنيف عام 2026 من وضع المغرب في سياقه الإقليمي. تُظهر الجزائر، التي تحتل المرتبة 83 في الترتيب العام، أداءً أضعف بكثير في فئة الحرية (المرتبة 111، مقارنةً بالمرتبة 84 للمغرب)، لا سيما في حرية التظاهر (المرتبة 122) والحرية الاقتصادية (المرتبة 114). أما تونس، فتحتل المرتبة 75، متقدمةً قليلاً على المغرب، مع تحسن في فئة المجتمع (المرتبة 78) ولكن بمستوى معيشة أكثر هشاشة (المرتبة 94). وتحتل الأردن، وهي ملكية تُقارن غالبًا بالمملكة، المرتبة 67، مدعومةً بشكل خاص بقوة مؤشر الحرية الاقتصادية (المرتبة 31).
إلى الشرق، تُقدّم الإمارات العربية المتحدة سيناريو مُغايرًا تمامًا لما هو عليه الحال في المغرب. فمع احتلالها المرتبة 51 عالميًا، تتميّز الإمارات بتنمية استثنائية (المرتبة 13، ومستوى معيشة 11)، لكنّ حريتها تُعاني من مشاكل أكبر بكثير (المرتبة 90، مُثقلة بواحدة من أدنى مستويات حرية التظاهر في العالم (المرتبة 144 من أصل 161)). بل إنّ التقرير يُشير إلى الإمارات كنموذج للدول التي تتقدّم فيها التنمية والحرية بشكل مُنفصل.
تُشير هذه المقارنات إلى أنّ الازدهار، كما يُقاس في هذه النسخة من المؤشر، لا يقتصر على مسار واحد في المنطقة. فبينما تُحوّل بعض دول الخليج عائدات الموارد إلى مستويات معيشية دون التنازل عن الحريات المدنية، يُقدّم المغرب صورة أكثر توازنًا في مجالاته الثلاثة، حيث لا يبرز أيٌّ منها بشكلٍ واضح على الصعيد العالمي، باستثناء الأسرة والأسس الاجتماعية التي، وفقًا لمنهجية التقرير، تُشكّل العامل الأهم في تحديد الازدهار المُستدام.
ومع ذلك، فإن البنية الإحصائية الجديدة، الأكثر صرامة في معالجة نقاط الضعف القطاعية، تجعل التخلف التعليمي في المغرب أكثر وضوحًا. فالمملكة تحتل المرتبة 122 من أصل 161 في التعليم، متخلفة كثيرًا عن اقتصادات مماثلة كالأردن (المرتبة 71) أو حتى تونس (المرتبة 107)، وهي فجوة لم يعد بإمكان طريقة الحساب الجديدة، التي تتجنب عمدًا السماح لنقطة قوة واحدة بالتعويض عن أخرى، إخفاؤها في النتيجة الإجمالية.
و يؤكد معدّو التقرير على الطبيعة العملية لأداتهم، والتي لخصوها في معادلتهم الخاصة: “ما يُقاس يحظى بالاهتمام؛ وما يحظى بالاهتمام يُعالج؛ وما يُعالج يتغير”. بالنسبة لدولة مثل المغرب، التي يجمع مجموع نقاطها مسارات متباينة مثل سلامة الأسرة (المرتبة 36) والتعليم (المرتبة 122)، فإن المؤشر لا يقدم حكماً بقدر ما يقدم خارطة طريق: فهو يحدد، ركيزة تلو الأخرى، مجالات التحسين التي من المرجح أن تنقل ازدهار المملكة الشامل إلى قمة التصنيفات العالمية.
