من أجل فلسطين ومن أجل حقوق الإنسان رسالة مفتوحة إلى أعضاء الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان
وجه عزيز غالي رسالة / استقالة إلى اعضاء الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان ، جاء فيها : ” منذ أكثر من أربعين عاماً وأنا أناضل من أجل حقوق الإنسان، وواجهت القمع والتشهير والتهديد، وتحملت مسؤوليات ثقيلة داخل الحركة الحقوقية المغربية والدولية، لكنني لم أتخيل يوماً أن أصل إلى لحظة أجد فيها نفسي مضطراً للدفاع عن حقي في التضامن مع شعب يتعرض للإبادة الجماعية داخل منظمة حقوقية دولية يفترض أنها وجدت أصلاً للدفاع عن المظلومين. لذلك أكتب اليوم، ولذلك .
إني أتهم قيادة الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان بأنها حوّلت الضحية إلى متهم، وجعلت من التضامن مع فلسطين موضوعاً للتحقيق والمساءلة داخل مؤسسة يُفترض أنها في صف الضحايا لا في موقع مساءلتهم، وأتهمها بأنها وضعت نفسها، ربما دون أن تدرك، في موقع مراقبة الضمير الإنساني بدل حماية حرية الضمير وأتهمها بأنها نسيت المبادئ التي تأسست عليها الحركة الحقوقية العالمية، ونسيت أن ميثاق الأمم المتحدة جعل حق الشعوب في تقرير مصيرها أحد أسس النظام الدولي، ونسيت أن العهدين الدوليين للحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية أكدا أن جميع الشعوب تملك حق تقرير مصيرها والتصرف الحر في ثرواتها ومقدراتها، ونسيت أن الجمعية العامة للأمم المتحدة أقرت في القرار 1514 لسنة 1960 حق الشعوب المستعمرة في الاستقلال، وأعادت التأكيد في القرار 2625 لسنة 1970 على حق الشعوب الخاضعة للاستعمار والسيطرة الأجنبية في الكفاح من أجل تقرير مصيرها، وأقرت في القرارين 3070 لسنة 1973 و 3246 لسنة 1974 بشرعية نضال الشعوب الواقعة تحت الاحتلال والاستعمار من أجل التحرر والاستقلال.
إني أتهم الفيدرالية بأنها تتصرف وكأن هذه المبادئ تفقد صلاحيتها عندما يتعلق الأمر بفلسطين وكأن الحق الذي اعترف به العالم لشعوب إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية يمنع الحديث عنه عندما يتعلق بالشعب الفلسطيني، وكأن القضية الفلسطينية أصبحت استثناء من قواعد العدالة الدولية، وأتهمها بأنها تنكرت لإرث الحركة الحقوقية والتحررية العالمية التي لم تفصل يوماً بين حقوق الإنسان والنضال ضد الاستعمار ، فقد وقف فرانز فانون إلى جانب الشعوب المستعمرة، ووقف جان بول سارتر ضد الاستعمار الفرنسي في الجزائر، ودافع نيلسون مانديلا عن حق شعبه في مقاومة نظام الفصل العنصري، وأكد ديزموند توتو أن الحياد في مواجهة الظلم هو انحياز للظالم، ولم يكن أي منهم ينتظر إذناً أخلاقياً كي ينحاز للعدالة.
إني أتهم أيضاً أن داخل بعض المؤسسات الحقوقية بات الخوف من الحقيقة أكبر من الخوف من الظلم، وأن الحياد” تحول في حالات عديدة إلى غطاء للصمت، وأن النقاش حول فلسطين يدار أحياناً بمنطق إداري بيروقراطي بدل أن يُدار بمنطق أخلاقي حقوقي، وكأننا أمام ملف تنظيمي لا أمام قضية شعب يُباد ويُحاصر ويُحتل. وأتهم المنظومة الحقوقية الدولية بأنها باتت تمارس ازدواجية صارخة في المعايير، فتدين بسرعة في حالات، وتلتزم الصمت أو التحفظ أو اللغة الرمادية في حالات أخرى. وحين يتعلق الأمر بفلسطين تتحول اللغة من لغة القانون إلى لغة التعقيد”، ومن لغة الضحايا إلى لغة الطرفين”، فيتم تفريغ الحقوق من مضمونها الأخلاقي وتحويلها إلى خطاب قابل للتكييف السياسي.
إني أرفض بشكل قاطع الازدواجية في المعايير التي باتت تطبع مواقف بعض المكونات داخل الفيدرالية، فلا يمكن أن تكون الحقوق شاملة حين يتعلق الأمر بالبعض، وانتقائية حين يتعلق الأمر بفلسطين، لأن الحقوق إما أن تكون غير قابلة للتجزئة أو أنها تفقد معناها بالكامل.
إني أرفض أيضاً المسطرة التي اقترحتها الفيدرالية عبر ما سمّى بلجنة استماع ليس من حيث الشكل فقط، بل من حيث الجوهر، لأن تحويل التضامن مع شعب واقع تحت الاحتلال إلى موضوع استماع ومساءلة”
داخل منظمة حقوقية يمثل انزلاقاً خطيراً من منطق حماية المدافعين عن الحقوق إلى منطق محاكمتهم على مواقفهم الأخلاقية والسياسية، وهو ما يقلب وظيفة المؤسسة الحقوقية من فضاء حماية إلى فضاء ضبط وردع.
إني أقر، وبكل وضوح، أن هذا الخطاب لا يستهدف جميع مكونات الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان، ولا ينفي الدور التاريخي للعديد من مناضليها وهيئاتها، بل هو موجه حصراً إلى تلك الأطراف التي اختارت التواطؤ أو الصمت أو مقايضة المواقف الحقوقية باعتبارات مالية أو سياسية أو مؤسساتية، وأميز بوضوح بين المنظمة كارث حقوقي نضالي وبين ممارسات محددة أرفضها وأعتبرها انحرافاً عن روحها التأسيسية.
إني أعتز. أعتز بأن هذا الموقف لم يكن معزولاً، بل رافقته موجة واسعة من التضامن من حقوقيين ومنظمات وشخصيات عبر العالم، ما يؤكد أن الضمير الحقوقي العالمي لا يزال حياً، وأن الخلاف ليس بين حقوقيين ولا حقوقيين، بل بين من يتمسك بجوهر الحقوق ومن يقبل بتفريغها من معناها حين يتعلق الأمر بفلسطين.
إني أؤكد، بكل وضوح لا لبس فيه، أنني سأظل منحازاً إلى الشعب الفلسطيني وإلى حقه غير القابل للتصرف في الحرية والاستقلال وتقرير المصير، وسأظل متمسكاً بدعم نضاله المشروع، وبالتضامن مع المقاومة الفلسطينية، والمقاومة اللبنانية، والمقاومة العراقية، والمقاومة اليمنية، ومع إيران في ما تعتبره دعماً لهذا النضال إيماناً منى بأن معركة فلسطين لم تعد معركة شعب واحد، بل معركة كل من يرفض الاحتلال والاستعمار والعنصرية، وأن انتصار الحق والعدالة لا يتحقق إلا بزوال الاحتلال وتمكين الشعب الفلسطيني من حقوقه كاملة.
ولهذا فإنني أعلن استقالتي من هذه المؤسسة، ليس هروباً ولا انسحاباً، بل موقفاً أخلاقياً وسياسياً ضد تحويل التضامن إلى تهمة، وضد الازدواجية، وضد اختزال حقوق الإنسان في لغة محايدة تستخدم أحياناً لتبرير الصمت أمام الظلم. أستقيل دفاعاً عن كرامتي، ووفاء لقناعاتي، ورفضاً لأن أكون جزءاً من مسار يفصل بين العدالة والحرية. وأقول بوضوح إنني أغادر هذه المؤسسة، لكنني لن أغادر فلسطين، ولن أغادر المبادئ، ولن أغادر النضال.
لقد علمتنا هذه التجارب أن حقوق الإنسان لا تختبر في الأوقات السهلة، بل في اللحظات التي يصبح فيها الدفاع عنها مكلفاً، ولهذا فإن ما حدث لا يمثل بالنسبة لي مجرد خلاف تنظيمي، بل يعكس أزمة أعمق داخل جزء من الحركة الحقوقية الدولية، أزمة تتعلق بعلاقتها بالسلطة، وبقدرتها على مواجهة الضغوط السياسية والإعلامية وباستعدادها للدفاع عن المبادئ نفسها عندما تصبح هذه المبادئ محل نزاع.
إن استقالتي اليوم ليست انسحاباً من النضال الحقوقي، وليست تخلياً عن العمل المشترك مع المدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان في مختلف أنحاء العالم، بل هي رفض للمشاركة في مسار أعتبر أنه أخطأ في تحديد المشكلة وأخطأ في تحديد الأولويات.
أغادر هذه المؤسسة وأنا ممتن لكل من ناضلت معهم داخلها من أجل العدالة والحرية والكرامة الإنسانية لكنني أغادر أيضاً وأنا مقتنع بأن الصمت في هذه اللحظة سيكون خيانة لقناعاتي ولتاريخي النضالي.
وسأظل، كما كنت دائماً، منحازاً إلى الحرية ضد الاحتلال، وإلى العدالة ضد القهر، وإلى الكرامة الإنسانية ضد كل أشكال التمييز والعنصرية والاستعمار.
فلسطين ليست ملفاً عابراً ، وليست قضية موسمية، إنها مرآة عصرنا، وإذا كانت غزة قد أسقطت الكثير من الأقنعة، فإنها أكدت أيضاً أن فلسطين ستظل المعيار الأخلاقي الذي تقاس به مصداقية المدافعين عن حقوق الإنسان، أفراداً كانوا أم مؤسسات.
وأمام هذا الامتحان اخترت موقعي، وسأبقى فيه.
