آخر الأخبار

تحديات تضاعف الناتج المحلي المغربي : التشغيل و التفاوت الاقليمي

منذ ازيد عن ربع قرن، شهد المغرب تحولاً جذرياً في اقتصاده بفضل سياسة استثمارية مستدامة، حيث تفتخر المملكة اليوم بنسبة استثمار إلى الناتج المحلي الإجمالي تبلغ 26.1%، وهي أعلى من المتوسط ​​الأفريقي البالغ 23.3%. ورغم أن هذه الإنجازات لا جدال فيها، إلا أن تحديات كبيرة لا تزال قائمة تتعلق بالتوظيف والإنتاجية والتفاوتات الإقليمية.

لا يمكن أن يكون التقييم إيجابيًا إلا من منظور الاقتصاد الكلي، ولكنه يتطلب تفسيرًا دقيقًا. من الواضح أن الناتج المحلي الإجمالي للمغرب قد تضاعف أكثر من ثلاث مرات منذ عام 1999. فقد ارتفع من حوالي 46.3 مليار دولار إلى ما يقرب من 184 مليار دولار بحلول نهاية عام 2025. وسار نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي على نفس المنوال، حيث ارتفع من حوالي 1627 دولارًا إلى أكثر من 4950 دولارًا خلال الفترة نفسها. ويعزى هذا النمو إلى جهود استثمارية عامة استثنائية. بلغت حصتها، بمفهومها الواسع، 20.8% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2023، وهي من أعلى النسب في العالم، مقارنةً بمتوسط ​​متواضع في تسعينيات القرن الماضي. وقد أحدث هذا الجهد تحولاً هيكلياً في الاقتصاد. وأصبحت المغرب رائدة صناعة السيارات في أفريقيا، حيث وضعت العلامات التجارية العالمية ثقتها في بلادنا، ولا سيما رونو في طنجة وستيلانتس في القنيطرة.

ويُدرّ هذا القطاع أكثر من 8 مليارات دولار من الصادرات السنوية. كما أن بلادنا، التي تمتلك 70% من احتياطيات الفوسفاط في العالم، هي أيضاً المصدر الرئيسي للأسمدة الفوسفاتية في العالم من خلال المنظمة المغربية للفوسفات (OCP)، التي حوّلت استراتيجيتها من تصدير المواد الخام إلى نهج صناعي متكامل. وقد طورت المملكة أيضاً واحدة من أحدث شبكات البنية التحتية في القارة، بما في ذلك ميناء طنجة المتوسط، وشبكة طرق سريعة عالية الأداء، وأول خط سكة حديد فائق السرعة في أفريقيا. ومع ذلك، لا يخلو هذا الإنجاز من بعض التحديات. ارتفع مؤشر ICOR، الذي يقيس حجم رأس المال اللازم لتحقيق وحدة نمو إضافية، من متوسط ​​أقل من 3 في التسعينيات إلى حوالي 8 في العقد الأول من الألفية الثانية، ثم إلى ما يقارب 10 في العقد الثاني. واليوم، يتطلب تحقيق نفس مستوى النمو استثمارات أكبر بكثير، ما يُعد مؤشراً على تراجع إنتاجية رأس المال. هذه المفارقة تحديداً هي ما يثير المخاوف، إذ يُبذل جهد استثماري ضخم، لكن عائده من حيث النمو، وقبل كل شيء، من حيث فرص العمل، لا يزال دون التوقعات.

وساهمت الاستثمارات العامة والخاصة والاستثمار الأجنبي المباشر في تحويل الاقتصاد المغربي، ولكن بديناميكيات مختلفة. فعلى الصعيد العام، ارتفع الاستثمار المحلي من 198 مليار درهم في عام 2020 إلى 230 مليار درهم في عام 2021، ثم إلى 245 مليار درهم في عام 2022، و300 مليار درهم في عام 2023، وصولًا إلى 335 مليار درهم في عام 2024، ما يمثل زيادة تقارب 70% خلال أربع سنوات. وقد مُوِّل هذا النمو بشكل خاص من قِبَل صندوق محمد السادس للاستثمار، الذي حشد 45 مليار درهم في عام 2024 وحده. أما بالنسبة للاستثمار الأجنبي المباشر، فإن الاتجاه الأخير يُعدّ بالغ الأهمية. فقد ارتفعت عائدات الاستثمار الأجنبي المباشر من 34.6 مليار درهم في عام 2023 إلى 43.2 مليار درهم في عام 2024 (+24.7%)، لتصل إلى 56.1 مليار درهم في عام 2025، وفقًا لمكتب الصرافة، ما يمثل زيادة قدرها 28%. ارتفع صافي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر بنسبة 74.3% في عام 2025. وعلى الصعيد الهيكلي، لم تتجاوز نسبة الاستثمار الأجنبي المباشر 20% من الناتج المحلي الإجمالي في تسعينيات القرن الماضي، بينما تتجاوز اليوم 50%، مما يعكس تحولاً جذرياً في كيفية تمويل الاقتصاد المغربي لنفسه واندماجه في سلاسل القيمة العالمية. وفيما يخص القطاع الخاص، هدفت وثيقة الاستثمار الجديدة، التي تغطي الفترة من 2022 إلى 2026، إلى حشد استثمارات بقيمة 550 مليار درهم وخلق 500 ألف فرصة عمل. وفي منتصف المدة، أظهرت نتائج الجلسات الثماني الأولى للجنة الوطنية للاستثمار اعتماد مشاريع بقيمة 377 مليار درهم، أي ما يقارب 68% من الهدف المالي، موزعة على 238 مشروعاً، ووفرت حوالي 167 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة، وهو ما يمثل ثلث هدف التوظيف فقط. إن هذه الفجوة بين هدف مالي تم تحقيقه تقريباً وهدف خلق فرص العمل الذي لا يزال متأخراً إلى حد كبير تلخص التحدي الرئيسي الذي يواجه المغرب اليوم: لم يعد تعبئة رأس المال هو العقبة الرئيسية، بل إن تحويله إلى وظائف مستقرة هو ما يظل الحلقة الأضعف الحقيقية.

وعلى الرغم من الاستثمارات التي تم ضخها، لا يزال معدل خلق فرص العمل أقل من المتوقع، وهو ما يتضح من خلال أرقام المندوبية السامية للتخطيط، حيث بلغ معدل البطالة 13% في عام 2025، بانخفاض طفيف قدره 0.3 نقطة مئوية مقارنةً بعام 2024. إلا أن هذا التحسن يبقى متواضعًا بالنظر إلى حجم الاستثمارات المبذولة. والأمر الأكثر إثارة للقلق هو ارتفاع معدل بطالة الشباب ( أقل من 24 عامًا ) إلى 37.2%، بينما لا تزال بطالة الخريجين مرتفعة عند 19.1%.

ورغم أن الاقتصاد الوطني قد وفر 193 ألف وظيفة بين عامي 2024 و2025، مقارنةً بـ 82 ألف وظيفة فقط في العام السابق، إلا أن هذه الوظائف لا تزال مُركّزة في قطاع الخدمات (123 ألف وظيفة) وقطاع البناء (64 ألف وظيفة)، في حين فقد قطاع الزراعة 41 ألف وظيفة.

هناك ثلاثة تفسيرات هيكلية لذلك. يكمن السبب الأول في انخفاض معامل الاستثمار التشغيلي، والذي يعكس تزايد كثافة رأس المال في النمو المغربي. ذلك ان مشاريع البنية التحتية الكبرى، سواء في قطاعات السيارات أو الفوسفاط أو الطاقة، تركز بطبيعتها على خلق القيمة أكثر من تركيزها على توفير فرص عمل واسعة النطاق، لا سيما في سياق التحديث والأتمتة. ويتضح هذا التفسير الثاني جليًا في تقييم ميثاق الاستثمار. ففي منتصف المدة، تم تحقيق 68 % من الهدف المالي، مقارنةً بـ 33 % فقط من هدف خلق فرص العمل. وهذا يدل على أنه بات من الأسهل الآن جمع رأس المال من تحويله إلى وظائف مستقرة. وأخيرًا، ثمة تباين بين التدريب واحتياجات سوق العمل.

فمن الضروري إجراء تقييم دقيق لاحتياجات المهارات، وتنفيذ برنامج تدريبي حقيقي موجه نحو وظائف المستقبل. ولن تتمكن أكبر الاستثمارات من تحقيق آثارها الكاملة إلا إذا دعمتها قوة عاملة ماهرة.