عبد الحق غريب
لا تقتصر المسؤولية الجامعية على تدبير الشأن الإداري والبيداغوجي، بل تشمل أيضا الالتزام بقيم النزاهة والأخلاق وحماية صورة المؤسسة الجامعية.
من هنا يبرز التباين بين من يعتبر حماية المؤسسة أولوية تتقدم على الأشخاص، ومن ينظر إلى الأزمات بمنطق التبرير والدفاع عن الذات..
ولإبراز هذا التباين، إليكم مثالين من بلغراد ومراكش يختزلان بوضوح هذا الاختلاف في فهم المسؤولية الجامعية.
ببلغراد، في يونيو 2024، أعلن الأستاذ “سلافيسا أورلوفيتش” سحب ترشحه لمنصب عميد كلية العلوم السياسية، بعد احتجاجات قادها طلبة وطالبات على خلفية اتهامات بالتحرش الجنسي تعود إلى 20 سنة، معتبرين أن توليه منصب العمادة لا ينسجم مع القيم التي يفترض أن تجسدها المؤسسة الجامعية.
وقد كتب “سلافيسا أورلوفيتش” على منصة إكس “أنا أستقيل من منصب العميد. الكلية تأتي أولا. لا توجد إجراءات ضدي”.. في إشارة إلى تقديم استقالته طوعا، دون انتظار أي مساطر تحقيق من الجهات المختصة.
أما في المغرب، وبعد صدور قرار بإعفاء عميد كلية اللغة العربية بمراكش، إثر تداول تسجيل صوتي أثار جدلا واسعا، فقد اختار العميد الخروج ببيان للرأي العام، على صفحته بالفايسبوك (إن صحت نسبة هذا البيان إلى المعني بالأمر)، للدفاع عن نفسه وتبرير الوقائع المنسوبة إليه، مع انتقاد قرار الإعفاء واعتبار أنه صدر دون الاستماع إلى وجهة نظره.
الرجل لم ينف أن الصوت يعود إليه، بل تحصن خلف ذريعة “إخراج الكلام من سياقه”، معلنا في مفارقة غريبة استعداده للمحاسبة، وموجها في الآن ذاته سهام نقده لمن سرب التسجيل، مبررا ذلك بأنه يدخل في إطار تصفية الحسابات.
ما يثير الاستغراب في بيان العميد أنه، رغم عدم نفيه نسبة الصوت إليه ووجود معرفة سابقة بالطالبة المعنية، وما تضمنه التسجيل المتداول من عبارات وظصفت بأنها غير لائقة بمقام المسؤولية الجامعية، اختار الخروج إلى الرأي العام ببيان يسعى إلى تأويل تلك المعطيات وتبريرها.
وبين الحالتين يبرز فرق جوهري، مفاده أن الهم الأساسي في صربيا كان هو حماية صورة المؤسسة وتجنب تحميلها كلفة الجدل الأخلاقي.. أما في المغرب، فقد تحول النقاش إلى البحث عن المبررات وتفسير الوقائع، بدل التركيز على ما تفرضه المسؤولية الجامعية من قدوة ورمزية والتزام أخلاقي.
في الختام، وجب التنويه بالصرامة والسرعة الحازمة التي أبانت عنها الوزارة الوصية في اتخاذ قرار الإعفاء الفوري.. وهو الموقف الذي يفترض أن يشكل خطوة جادة نحو تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، على أساس أن يكون سلوكا عاما وصارما، يسري على الجميع بالسرعة اللازمة ودون انتقائية أو تمييز.
