من التمدين إلى التمدّن: أو في سؤال المجتمع المدني بالمغرب بين التحديث الموجَّه وصراع السرديات
(في أفق مأسسة العلاقة بين الفاعل المدني /الإجتماعي والسوسيولوجيين )
مصطفى المنوزي
لم يعد النقاش في السياق المغربي يدور حول ما إذا كنا قد دخلنا زمن المجتمع الحضري، بقدر ما أصبح يتمحور حول طبيعة هذا التحول وحدوده: هل أفرز هذا التمدين مجتمعًا مدنيًا بالمعنى القيمي والمؤسساتي، أم أننا أمام حداثة مجالية لم تكتمل شروطها المدنية بعد؟
إنه سؤال يتجاوز الوصف إلى مساءلة المعنى: ماذا يعني أن نعيش في مدينة دون أن نعيشها مدنيًا؟
من حيث الظاهر، يبدو أن المغرب قد قطع أشواطًا مهمة في مسار التمدين. توسعت المدن، وتكثفت البنيات التحتية، وتعددت الفضاءات العمومية، وبرزت فاعليات جديدة، خاصة في النسيج الجمعوي والشبابي. وهي كلها مؤشرات توحي بأن شروط نشوء مجتمع مدني متوفرة: تنوع اجتماعي، إمكانات للتنظيم، وتزايد في قنوات التعبير والتواصل.
غير أن هذه القراءة تظل جزئية إذا لم تُستكمل بتحليل أعمق لطبيعة هذا التمدين. فالمجتمع الحضري ليس مرادفًا للمجتمع المدني، بل هو حاضنته الاحتمالية المشروطة؛ إذ يوفّر البنية التحتية الاجتماعية لظهوره، دون أن يضمن تحقق قيمه. فبين التمدين كتحول مجالي، والتمدّن كتحول قيمي، تتسع مسافة تملؤها صراعات السرديات، بين منطق الضبط ومنطق المشاركة، بين إعادة إنتاج الولاءات وبين بناء المواطنة.
في الحالة المغربية، تكشف هذه المسافة عن مفارقة بنيوية لافتة: حداثة في المجال تقابلها استمرارية في البنيات. فالمدينة لا تفكك دائمًا أنماط القرابة والوساطة، بل قد تستوعبها وتعيد إنتاجها في صيغ جديدة من الزبونية والولاء. وهكذا، يتحول الفضاء الحضري إلى وعاء حديث لمضامين تقليدية، بدل أن يكون أفقًا لتحول قيمي جذري.
إلى جانب ذلك، يظل المجال العمومي محكومًا، في كثير من الأحيان، بسردية ضابطة يمكن توصيفها بالسردية الأمنية، حيث يُؤطر الفعل المدني ضمن منطق الاستقرار أكثر من منطق المشاركة. لا يعني هذا غياب المجتمع المدني، بل يعني أن اشتغاله يتم ضمن هوامش محددة، تحدّ من تحوله إلى قوة اقتراحية مستقلة وقادرة على التأثير العميق في السياسات العمومية.
كما أن ثقافة المواطنة، بوصفها ركيزة مركزية في بناء المجتمع المدني، لم تبلغ بعد مستوى النضج الكافي. فبين الانتماء كحالة اجتماعية، والمشاركة كفعل مدني منظم، ما تزال هناك فجوة تُملأ بمبادرات ظرفية أو مطالب جزئية، دون أن تتحول دائمًا إلى ديناميات مستدامة ومؤطرة برؤية واضحة للمصلحة العامة.
ضمن هذا السياق، يبرز مفهوم “التحديث المُعاق” بوصفه مفتاحًا تفسيريًا، وإن كان يحتاج إلى تدقيق. فالأمر لا يتعلق فقط بتعثر في مسار التحديث، بل بما يمكن تسميته بـ“التحديث الموجَّه”: تحديث يطال البنيات والمؤسسات والفضاءات، لكنه يتم ضمن توازنات تحرص على الضبط وإعادة التنظيم، أكثر مما تراهن على تحرير الفعل المدني واستقلاليته.
هنا تتجلى مفارقة أعمق: لسنا أمام غياب للتحديث، بل أمام نمط خاص منه؛ تحديث ينتج مجتمعًا حضريًا، لكنه لا يضمن بالضرورة تحوله إلى مجتمع مدني. وهو ما يجعل “الإعاقة” ليست عطبًا عرضيًا، بل أثرًا لبنية تحكم هذا المسار وتعيد تشكيله وفق منطق معين.
من منظور التفكير النقدي التوقعي، لا ينبغي التعامل مع هذا الوضع كمرحلة انتقالية محايدة، بل كحقل صراع بين سرديتين متنافستين:
سردية ترى في التحديث أفقًا للتحرر، وإنتاج المواطنة، وتعزيز الاستقلالية المدنية؛
وأخرى توظف التحديث كأداة لضبط المجال، وعقلنة تدبيره، واحتواء الفاعلين ضمن حدود مرسومة.
وبين هاتين السرديتين، تتشكل وضعية مغربية مركبة:
سردية مجال حضري تحققت إلى حد بعيد، مقابل سردية فعل مدني لا تزال في طور التشكل. وهي وضعية تتعايش فيها أنماط متعارضة: تنظيم حديث يقابله وعي تقليدي أحيانًا، وخطاب داعم للمجتمع المدني يقابله تأطير يحدّ من استقلاليته، وطموح ديمقراطي يصطدم بمنطق التدبير الحذر لزمن اللايقين.
من هنا، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن في تعميم التمدين، بل في استكماله بالتمدّن؛ أي في تحويل المدينة من مجرد فضاء للسكن والتدبير، إلى فضاء للمواطنة والفعل العمومي. وهو تحول لا يتم تلقائيًا، بل يمر عبر تفكيك سرديات الهيمنة، وتعزيز استقلالية الفاعلين، وترسيخ ثقافة الحقوق والمسؤولية، بما يسمح بإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع على أسس تشاركية.
في المحصلة، لا يُطرح السؤال في المغرب بصيغة: هل لدينا مجتمع مدني؟
بل بصيغة أكثر تركيبًا وراهنية: أي نموذج للمجتمع المدني نريد؟
وهل سننجح في الانتقال من مدينة تُدار، إلى مدينة تُشارك في إدارة ذاتها؟
ذلك هو الأفق الذي سيتحدد فيه، ليس فقط مآل المجتمع المدني، بل معنى العيش المشترك ذاته، بين سردية تُغلق المجال باسم الاستقرار، وأخرى تفتحه باسم المواطنة.
