آخر الأخبار

الزامية الرقابة الداخلية بالوزارات

بعد ستة أشهر من اعتماد مجلس الحكومة لمشروع المرسوم رقم 2.22.381، نُشرت النسخة النهائية للنص في الجريدة الرسمية. وبموجب هذا القرار، يتعين على كل وزارة إنشاء نظام رقابة داخلية. وبذلك، يُحقق هذا النص التزام الحكومة بالحوكمة الرشيدة. ويُقدم هذا التحليل نصًا يهدف إلى وضع حد للممارسات المتباينة وجعل الوقاية محورًا أساسيًا في الإدارة العامة.

في 9 فبراير. تم الاعلان عن اعتماد مجلس الحكومة – المنعقد في الخامس من الشهر نفسه – لمشروع مرسوم بشأن الرقابة الداخلية في الإدارات الوزارية. وتم التساؤل :  “هل انتهى عهد الإدارة العمياء في الوزارات ؟”، مع التحذيرات المتكررة من ديوان المحاسبة بشأن أوجه القصور في آليات الوقاية من المخاطر وإدارتها داخلياً. وبعد ستة أشهر، دخل المرسوم حيز التنفيذ.

ينشر المرسوم رقم 2.22.381 في الجريدة الرسمية رقم 7530 بتاريخ 30 يوليو 2026، ويضع الإطار التنظيمي للرقابة الداخلية، التي كانت حتى الآن غير رسمية ومجزأة إلى حد كبير. وقد وقّع المرسوم رئيس الوزراء عزيز أخنوش، ووقّعت عليه أيضاً وزيرة الاقتصاد والمالية نادية فتاح، والوزيرة المنتدبة للتحول الرقمي والإصلاح الإداري أمل الفلاح. ويتماشى المرسوم تماماً مع التوجيهات الملكية الداعية إلى إصلاح شامل للقطاع العام، يركز على الكفاءة والحوكمة الرشيدة وجودة الخدمات المقدمة للمواطنين. يتجاوز المرسوم مجرد ذكر المبادئ العامة، إذ يُلزم كل وزارة بوضع نظام رقابة داخلية يشمل “جميع الوظائف المتعلقة بمهام القطاع دون استثناء”. وتمثل هذه الشمولية أول تحول جوهري. فقبل ذلك، كانت الممارسات تختلف اختلافًا كبيرًا بين الإدارات، حيث تركزت أكثر هيئات التفتيش العامة تنظيمًا في وزارتي الاقتصاد والمالية والداخلية. كما يُرسي المرسوم معيارًا جديدًا بتحديده الدقيق لمفهوم “الرقابة الداخلية”. فلم تعد مجرد مجموعة من الإجراءات المتفرقة، بل نظامًا متكاملًا مصممًا لتشخيص أساليب العمل، وتحديد المخاطر وإدارتها، وضمان الامتثال للقوانين، وتحسين موثوقية المعلومات الصادرة عن الجهات الحكومية. باختصار، يهدف النص إلى تغيير نظرة الإدارة إلى نفسها، والانتقال من منطق الامتثال الشكلي إلى نهج يركز على الأداء وإدارة المخاطر.

لتحقيق هذا الطموح، ينص المرسوم على إنشاء لجنة قطاعية في كل وزارة، برئاسة الأمين العام. تضم هذه اللجنة المفتش العام ومديري البرامج، مما يضفي على المبادرة شرعية شاملة ورؤية استراتيجية. وهي مسؤولة عن الإشراف على العملية برمتها، بدءًا من تطبيق النظام وتنسيق الأنشطة وصولًا إلى رصد النتائج. وتعتمد هذه اللجنة على شبكة من المنسقين على المستويين المركزي واللامركزي. يُعيّن هؤلاء المنسقون من قبل رئيس الإدارة المعنية من بين مسؤولين ذوي تدريب وخبرة مثبتة في مجال الرقابة الداخلية. ما هي مهمتهم؟

ضمان النشر الفعال للنظام في الميدان وجمع المعلومات اللازمة لإدارته. يُعد هذا الهيكل التنظيمي، الذي يدمج الهيكل الهرمي مع وظائف الرقابة، ضمانة للنجاح، شريطة أن يمتلك هؤلاء المنسقون الموارد والصلاحيات اللازمة.

لكن الابتكار الرئيسي في المرسوم يكمن في اعتماد إطار منهجي دقيق، مُلحق بالنص. هذا الإطار، المستوحى مباشرةً من نموذج لجنة المنظمات الراعية للجنة تريديواي (COSO)، وهو معيار دولي للرقابة الداخلية، يُقسّم الرقابة الداخلية إلى خمسة مكونات مبنية على سبعة عشر مبدأً تشغيليًا. بيئة الرقابة تُرسّخ أولًا الأسس الأخلاقية والتنظيمية للنظام. وهي تُركّز على النزاهة، والقيم، ووضوح المسؤوليات، وجاذبية المهارات، وتقييم الأداء، وإرساء المساءلة الحقيقية، لخلق بيئة خصبة لثقافة الرقابة. يتطلب هذا الركن الأول من الإدارات تحديد المعايير الأخلاقية، وأن يكون المديرون قدوةً حسنة، وأن يُقيّموا بانتظام مدى التزام جميع الموظفين بهذه القيم. بعد ذلك، يتطلب تقييم المخاطر التحديد والتحليل المنهجي للعوامل الداخلية والخارجية التي قد تُعيق تحقيق الأهداف. يشمل هذا القسم صراحةً مخاطر الاحتيال والفساد والخطأ والاختلافات السلوكية، بهدف إنشاء أنظمة إنذار. يُشدّد الإطار على ضرورة مراعاة التغييرات الهامة، سواءً كانت داخلية أو خارجية، وتوثيق العملية برمتها في خطط عمل. تُضفي أنشطة الرقابة الطابع الرسمي على جميع الإجراءات والتدابير، سواءً كانت وقائية أو تصحيحية، يدوية أو آلية، المستخدمة لإدارة المخاطر المُحددة. ويتطلب هذا الإطار توثيق هذه الأنشطة بوضوح ودمجها في العمليات التشغيلية. كما يُشدد على تطوير ضوابط مُحددة مُدمجة مباشرةً في تطبيقات تكنولوجيا المعلومات لضمان موثوقية البيانات وسلامتها. أما المعلومات والاتصالات، فتضمن تدفق المعلومات ذات الصلة والموثوقة وفي الوقت المناسب، داخليًا وخارجيًا. ويتعين على الإدارة تحديد احتياجاتها من المعلومات، وتقييم مصادرها الداخلية والخارجية، وإنشاء قنوات اتصال مُلائمة لمختلف الجهات المُستهدفة. ويُولي الإطار اهتمامًا خاصًا لضرورة التواصل مع المواطنين والمستخدمين والشركاء بشأن القضايا التي تؤثر على أداء الضوابط الداخلية. علاوة على ذلك، يُرسي هيكل الحوكمة عملية تقييم مُستمرة ودورية للتحقق من فعالية النظام ومعالجة نقاط ضعفه. ويُؤكد الإطار على أهمية التقييم القائم على المخاطر، والمُدمج في العمليات اليومية، وإبلاغ النتائج إلى المديرين المعنيين. وينص على أن تحليلات نقاط ضعف النظام يجب أن تُفضي إلى خطط عمل مُشتركة بين مختلف الإدارات، وأن تخضع لمراقبة دقيقة لتنفيذها. يضع هذا الإطار المنهجي، الذي يمثل قطيعة مع الممارسات السابقة، الوقاية والتنظيم الذاتي في صميم النهج.

لا يقتصر المرسوم على تنظيم تطبيق النظام فحسب، بل ينص أيضًا على تقييمه الدوري. ووفقًا للمادة 6 من النص، يخضع نظام الرقابة الداخلية لكل وزارة لتقييم سنوي تجريه المفتشية العامة للقطاع المعني. وتُسجل نتائج هذا التقييم في تقرير يُرفع إلى رئيس الإدارة، مما يُنشئ آلية للمساءلة. علاوة على ذلك، تُلزم المادة 5 اللجنة القطاعية بإعداد تقرير سنوي للرقابة الداخلية، يُفصّل التدابير والإجراءات المتخذة لكل عنصر من عناصر الإطار. ويضمن نظام التقييم المزدوج هذا – الداخلي ومن قِبل المفتشية العامة – المراقبة المستمرة والقدرة على تصحيح أوجه القصور، وهو شرط أساسي لضمان عدم بقاء النظام حبرًا على ورق.

إن التوافق بين المرسوم الجديد والنتائج المتكررة لديوان المحاسبة ليس من قبيل المصادفة. في تقريرها للفترة 2024-2025، رسمت المحكمة المالية صورةً مقلقةً لإدارة عامة تعاني من ضعف أو غياب الإجراءات الرسمية، وعدم اكتمال تتبع القرارات الإدارية، والتجزئة المفرطة للمسؤوليات، والنهج المجزأ لإدارة المخاطر. كما أكدت المحكمة أنه كان من الممكن تجنب العديد من المخالفات، وتأخير المشاريع، وتجاوزات التكاليف لو سمحت آليات الرقابة الداخلية الفعالة باستباق المخاطر. وكان من أهم نتائج التقرير استمرار الطابع العلاجي للرقابة العامة في المغرب، حيث تتدخل المحكمة في أغلب الأحيان بعد تفاقم المشكلات. ويُعدّ المرسوم رقم 2.22.381 استجابةً مباشرةً لهذا التشخيص. فمن خلال إلزام رسم خرائط المخاطر، ووضع إجراءات رسمية، وآلية للتقييم الذاتي، يهدف المرسوم إلى تحويل مركز ثقل الرقابة العامة من الرقابة الخارجية اللاحقة إلى الإدارة الداخلية المتكاملة قبل اتخاذ القرارات. وهذا هو التحول النموذجي الذي ناقشناه في مقالنا في فبراير، عندما تم التساؤل عما إذا كان سيضع حدًا لـ”العمل العشوائي”.