آخر الأخبار

الجمارك والضرائب توحدان الصفوف.. والنتيجة كشف تلاعب بمليارات السنتيمات

لم يعد الغش الاقتصادي مجرد مخالفات معزولة أو أخطاء في التصريحات، بل بات يأخذ أحيانا أشكالا معقدة تستهدف قلب المنظومة الجبائية والجمركية في آن واحد. وفي تطور لافت، تمكن تنسيق مشترك بين مصالح المراقبة التابعة لإدارة الجمارك والمديرية العامة للضرائب من كشف شبكة يُشتبه في تخصصها في التلاعب بالتصريحات والفواتير، في قضية تطرح أسئلة كبيرة حول حجم الأموال التي كانت تضيع على خزينة الدولة لسنوات، وحول الجهات التي استفادت من هذه الممارسات التي توصف بالخطيرة

وحسب المعطيات المتداولة، فقد وقفت عمليات التدقيق على وجود فروقات كبيرة بين القيم المصرح بها لدى إدارة الجمارك وتلك المقدمة للمصالح الضريبية. وتفيد المؤشرات الأولية بأن بعض المستوردين كانوا يلجؤون إلى تخفيض قيمة السلع عند التصريح الجمركي لتقليص الرسوم المستحقة، قبل التصريح بقيم أعلى لدى الإدارة الضريبية بهدف رفع التكاليف المعلنة وتقليص الأرباح الخاضعة للضريبة. وقد بلغت الفروقات المسجلة في بعض الحالات ما بين 30 و50 في المائة، وهو ما يكشف عن نمط من التلاعب المزدوج الذي يستهدف الاستفادة من ثغرات محتملة بين النظامين الرقابيين.

وتزداد خطورة الملف بالنظر إلى حجم المعاملات التجارية التي شملتها التحقيقات، والتي قُدرت بأكثر من 1.17 مليار درهم. وهو رقم يثير العديد من التساؤلات: هل يتعلق الأمر بحالات محدودة تم اكتشافها فقط، أم أن الأمر يكشف عن جزء من ظاهرة أوسع؟ وكم تبلغ القيمة الحقيقية للحقوق الجمركية والضريبية التي قد تكون ضاعت على الدولة؟ وهل ستقود الأبحاث الجارية إلى تحديد كافة المتدخلين المحتملين في هذه العمليات، سواء من المستفيدين المباشرين أو من ساهموا في تمرير هذه الممارسات؟

وفي مقابل هذه المعطيات المقلقة، يبرز الجانب الإيجابي المتمثل في فعالية التنسيق بين إدارة الجمارك والمديرية العامة للضرائب، وهو تنسيق يبدو أنه بدأ يؤتي ثماره في مواجهة أشكال الغش المالي والاقتصادي المتطورة. غير أن الرهان اليوم لا يقتصر على كشف المخالفات، بل يمتد إلى ضمان ترتيب الآثار القانونية والمالية المترتبة عنها، واسترجاع الأموال المستحقة للخزينة العامة، وتوجيه رسالة واضحة مفادها أن التلاعب بالتصريحات والفواتير لم يعد بمنأى عن أعين المراقبة. فكل درهم يُحرم منه المال العام بسبب الغش هو في النهاية خسارة تمس الاستثمار والخدمات العمومية ومبدأ تكافؤ الفرص بين المقاولات الملتزمة بالقانون وتلك التي تختار طرقا ملتوية لتحقيق أرباح غير مشروعة.