ارتفاع أسعار أضاحي العيد: عنوان فشل السياسات العمومية في المجال الفلاحي، وتعبير صارخ عن تواصل توسيع دائرة الاستبعاد والحرمان الاجتماعي.
شهدت أسعار بيع الأضاحي في عموم الأسواق بما فيها سوبر ماركا ت، ارتفاعا كبيرا يتجاوز القدرة الشرائية للمواطنين/ات، ويضاعف من معاناتهم، مع ما تعرفه كل المواد من غلاء غير مسبوق في بلادنا. وتفاجأ الكثير من المواطنين/ات، بالارتفاع المهول للأسعار، الذي يحرمهم من اقتناء أضحية العيد، في وقت كان من المنتظر ان تنخفض، تماشيا مع الخطاب الرسمي حول وفرة القطيع، وسياسة الدعم والاستيراد، إلا أن العكس هو ما ينطق به الواقع، من حيث الزيادة الخيالية في الأثمان نسبة الى كل السنوات الماضية، وازدياد الاقبال على مختلف المواد الفلاحية من خضر وفواكه بتزامن مع فترة العيد. فبالرغم من الدعم الوفير الذي قدمته الحكومة بسخاء لفائدة المستوردين الوهميين لجلب خروف الذبيحة من الخارج، والترويج المغالى فيه حول وفرة القطيع، ومحاربة “الشناقة”، ورغم التساقطات المطرية وتواجد الكلأ، إلا أن الأسعار زادت ارتفاعا، وتراوحت أثمنة أضاحي العيد، عند كبار الأسواق، من قبيل مرجان وكارفور، 77 درهما للكيلو بالنسبة لسلالة تمحضيت و100 درهم لسلالة السردي والماعز.
وقد دفعت هذه الأسعار الصاروخية عددا كبيرا من المواطنين/ات إلى اللجوء لشراء اللحوم من المجازر، كبديل عن الأضاحي التي بلغت أسعارها مستويات قياسية؛ وعرفت معظم المجازر في الأسواق والشوارع بعدد من المدن اكتظاظا وإقبالا غير مسبوق على شراء اللحوم، مما أدى الى ارتفاع أسعارها من جديد في غياب تام للسلطات المسؤولة عن المراقبة.
إن هذا الوضع المأساوي لا يمكن أن يجد تفسيره خارج السياسات الحكومية المتعاقبة، منذ عقود، ونتيجة لها ولمخططاتها الفاسدة تماما، كما أقرت بذلك الدولة نفسها حين أعلنت ما سمته “بالبرنامج التنموي الجديد”. فعلى سبيل المثال لا الحصر اعتمد المغرب، منذ العام 2008، ما سمي “مخطط المغرب الأخضر” الذي التهم الملايير من الدراهم من المالية العمومية، الهادف إلى جعل الزراعة في قلب الاقتصاد الوطني، من خلال دعم المزارع العائلية الصغيرة والمتوسطة والمزارع الريادية ذات المساحات الكبيرة؛ كما كان من أهدافه محاربة الفقر والهشاشة في المناطق الريفية. ولأنه رُصدت له أموال مهمة وضخمة جدا، فقد كانت نتائجه مهمة ودسمة للمزارعين الكبار، فيما عادت بالسلب على صغار الفلاحين؛ ذلك أن واقع وحقيقة المراهنة تمت على تنمية الإنتاج الزراعي لتلبية حاجيات الأسواق الخارجية، لجمع المزيد من العملة الصعبة لتسديد الديون المتراكمة. وهذا ما يفسر، ضمن أسباب أخرى، العجز الذي يعاني منه السوق الداخلي في مجال الخضراوات والفواكه واللحو.، وبعد فشل البرنامج، وعدم تحقيقه النجاعة المطلوبة، باشرت الدولة مخططا أكثر خطورة على النسيج الاجتماعي والاقتصادي، باعتماد ما يسمى “استراتيجية الجيل الأخضر”، وداخله برامج الدعم المباشر للمفروشات والمواد الفلاحية الحيوانية وغيرها، هذه السياسية الموغلة في الريع وخدمة مصالح اللوبيات والاحتكارات عمقت الأزمة أكثر من معالجتها.
وتبقى هذه السياسات اللاشعبية مسؤولة عن هذا الوضع، في غياب إجراءات ناجعة لمواجهة الغلاء الفاحش، والحد من نسبة التضخم، حماية للقدرة الشرائية، وتطبيق القانون ضد المضاربين ومحاربة الاحتكار، ووضع حد للمديونية الخارجية للاستثمار في المشاريع الضخمة لتزيين الواجهة ووضع المساحيق الزائفة. ولأن صبر والمواطنين/ات قد نفذ، وفقدوا القدرة على تحمل المزيد من التدهور المستمر في واقعهم المعيشي والاجهاز على قوتهم اليومي، فإن الوضع ينذر، لامحالة، باحتقان اجتماعي غير مسبوق.
ونظرا لخطورة الوضع واستفحاله من حيث اتساع رقعة الفقر والهشاشة، وضعف الحماية الاجتماعية وانتشار الفساد، وما يخلفه ذلك من فقدان للكرامة الإنسانية وتفشي الحكرة والغبن، وفقدان الثقة في الحكومة وتصريحاتها المغلوطة والمسكنة، التي لا تخدم سوى الرأسمال المتوحش والإقطاعيين والاحتكاريين، فإن المكتب المركزي للجمعية المغربية لحقوق الإنسان، يعلن ما يلي:
ادانته لتحول الدولة إلى أداة متحكم فيها من طرف لوبيات المصالح وأصحاب النفوذ، ويدعو إلى فتح تحقيق حر وشفاف حول المبالغ المالية المهدورة المخصصة لما يسمى الدعم، مع تحديد المبالغ المخصصة لذلك والجهات المستفيدة، ومعرفة مصير هذه الأموال ومجالات صرفها، مع ما يتطلب ذلك من تحديد للمسؤوليات المؤسساتية والفردية وترتيب الآثار القانونية اللازمة؛
دعوته السلطات العمومية إلى إعادة النظر في سياساتها، بما يخدم مصلحة المواطنين والمواطنات من الفئات المستضعفة، بالرفع من الأجور وتخفيض الضريبة على الدخل، واعفاء المواد الأساسية من الضريبة على القيمة المضافة ومن الضريبة الداخلية على الاستهلاك، وإخضاع كبار الفلاحين للضريبة على الشركات والضريبة على الدخل، مع العمل على وضع حد لاقتصاد الريع ومحاربة الفساد وتفعيل مبدأ المحاسبة وعدم الإفلات من العقاب؛
مطالبته الدولة بالتدخل العاجل لمحاربة تهريب الأموال وارجاع تلك المودعة في الأبناك الخارجية، والكف عن رهن الاقتصاد بالخارج بدل توجيهه نحو الداخل، وفك الارتباط مع المؤسسات المالية العالمية والاعتماد على الاقتصاد الوطني لتمويل الخزينة العامة، عوض اللجوء إلى المديونية، التي أفقدت بلادنا سيادتها على ثرواتها وتهدد أمنها الغذائي؛
تأكيده على المطالب المتعلقة بالعالم القروي، من حيث الاهتمام باحتياجاته للبنية التحتية؛ كالطرقات والمسالك، وحفر الآبار، وتسهيل الولوج إلى القطاعات الاجتماعية، وخاصة التعليم والصحة، وتوفير الأعلاف والأسمدة وكل المواد الأولية بأثمنة مناسبة، مع العمل على محاربة الاحتكار والمضاربات والوساطات التي تستغل الطبقات الضعيفة من الفلاحين والكسابة .
دعوته إلى إعادة تفعيل الدور الاجتماعي لصندوق المقاصة، وضمان توجيه دعمه إلى المواد الأساسية والخدمات الحيوية التي تهم الفئات الشعبية والطبقات الهشة، بما يساهم في الحفاظ على القدرة الشرائية للمواطنين والمواطنات، والحد من آثار الغلاء وارتفاع الأسعار.
