آخر الأخبار

بين القيم والمشاهدات.. سقوط أخلاقي في زمن “الصحافة الفيروسية”

لم يعد خافياً أن جزءاً من المشهد الإعلامي يعيش حالة انزلاق خطير، حيث تحوّلت بعض المنصات إلى ما يشبه “صحافة فيروسية” لا تحكمها قواعد ولا تؤطرها أخلاقيات، بقدر ما يقودها هوس المشاهدات وسباق “الترند”. وبين القيم المهنية وعدد المشاهدات، يبدو أن الكفة مالت لدى البعض نحو كل ما يثير، حتى وإن كان الثمن هو ضرب السلم المجتمعي.

لقد أفرز هذا الواقع سلوكيات إعلامية مقلقة، تتجاوز حدود الخطأ المهني إلى مستوى التحريض والفتنة. وليس عبثاً أن يُقال إن “الفتنة أشد من القتل”، فالكلمة حين تُستخدم بلا مسؤولية، قد تُشعل ناراً يصعب إطفاؤها، وتزرع الشقاق بين مكونات المجتمع الواحد. وفي هذا السياق، برزت مؤخراً واقعة صادمة، حين أقدمت إحدى المنصات غير المهنية على نشر فيديو لا يحمل أي قيمة إخبارية أو إعلامية، بقدر ما يهدف إلى إثارة الجدل وزرع الفتنة بين الجماهير المراكشية و نظيرتها السفيانية، التي عرفت سنوات من الانفلاتات و التطاحنات التي خلفت خسائر عديدة من الطرفين، فالكل يتذكر أحداث ملعب المسيرة 2019، وكيف كانت ستتكرر خلال شهر رمضان لولا فطنة الجمهور السفياني الذي فضل مقاطعة المباراة و تجنب الكارثة.

كل هذا بسبب صفحات تقوم بالتحريض عبر وسائل التواصل الاجتماعي، معظم هذه الصفحات نجد خلفها شباب طائش ما يزال في طور بناء شخصيته. لكن الكارثة الكبرى انخراط موقع اعلامي يدعي المهنية في هذه المشادات في ضرب تام لأخلاقيات المهنة ،في الوقت الذي تسعى جميع الفعاليات إلى تهدئة الأوضاع بين الجماهير المغربية من أجل تقديم كرة القدم الوطنية في أحسن صورة استعدادا للعرس الكروي الأكبر.

الأخطر من ذلك أن هذا المحتوى أساء إلى مدينة مغربية عريقة، تُعد من الحواضر التاريخية والإمبراطورية التي تشكل جزءاً من الهوية الوطنية، في تصرف يعكس استخفافاً واضحاً بمكانة المدن وتاريخها، وضرباً لكل أعراف المهنة.

مثل هذه الممارسات لا يمكن تبريرها تحت أي ذريعة، فهي لا تدخل في باب حرية التعبير، بل تندرج ضمن فوضى إعلامية تُغذّي الانقسام وتُسيء إلى الأفراد والجماعات. فالصحافة، في جوهرها، رسالة نبيلة تقوم على نقل الحقيقة، واحترام الكرامة الإنسانية، وتعزيز التماسك الاجتماعي، لا العكس.

إن تجاهل أخلاقيات المهنة، من دقة وتحري وتوازن، وتحويل المنصات إلى أدوات للفتنة والابتذال، يهدد مصداقية الإعلام برمته. فالجمهور، الذي أصبح أكثر وعياً، لم يعد يقبل بسهولة هذا النوع من المحتوى، بل بدأ يميز بين الصحافة الجادة وتلك التي تقتات على الإثارة.

اليوم، الحاجة ملحة لإعادة الاعتبار لقيم المهنة، ومحاسبة كل من يتجاوز الخطوط الحمراء، لأن ترك المجال لمثل هذه “الصحافة الفيروسية” دون رادع، يعني فتح الباب أمام مزيد من الفوضى، وتآكل الثقة في الإعلام.

في النهاية، يبقى السؤال مطروحاً: هل تستحق المشاهدات أن نخسر قيمنا؟ أم أن الوقت قد حان لوضع حد لهذا السقوط الأخلاقي، قبل أن يتحول إلى واقع دائم؟