آخر الأخبار

الملك يدعو لتجديد النخب… والأحزاب تُعيد تدوير الوجوه نفسها

في خضم النقاش العمومي الذي أعقب الخطاب الملكي الأخير لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده، خرجت الفاعلة الجمعوية يسرا العرجوني بسلسلة من التساؤلات التي تعكس جزءاً من القلق الذي يسكن شريحة واسعة من الشباب المغربي، خصوصاً بعد الحراك الرقمي والاجتماعي الذي حمل شعار “جيل زيد”، وفتح الباب أمام الحديث عن مغرب جديد، يفترض أن يكون أكثر عدلاً وإنصافاً وانفتاحاً على الكفاءات الشابة.

تساؤلات العرجوني لم تكن مجرد كلمات عابرة أو تدوينات بحثاً عن التفاعل، بل بدت وكأنها محاولة لإعادة قراءة الخطاب الملكي من زاوية الواقع اليومي للمواطن المغربي. فبعد إعادة استماعها للخطاب، تقول إنها اصطدمت بسؤال جوهري: هل فعلاً تم تنزيل مضامين الخطاب على أرض الواقع؟ أم أن الأمر بقي محصوراً في دائرة الشعارات والخطب والندوات؟

فالحديث عن تأطير المواطنين، وتجديد النخب، وفتح المجال أمام الشباب لتحمل مسؤوليات التدبير والتسيير، ظل لسنوات أحد أبرز التوجيهات الملكية المتكررة. غير أن الواقع، بحسب ما تراه الفاعلة الجمعوية، لا يزال يطرح مفارقة صادمة: شباب يمتلك الكفاءة والطموح، لكنه يصطدم بجدار الأحزاب التقليدية، ومنطق “الشكارة”، والتحكم في التزكيات والمقاعد، واحتكار الوجوه نفسها للمشهد السياسي والإداري.

وتتساءل العرجوني بمرارة: أين هو هذا الجيل الجديد الذي قيل إنه سيقود التنمية؟ وأين هي الأحزاب التي كان يفترض أن تتحول إلى مدارس للتكوين السياسي الحقيقي بدل أن تصبح في كثير من الأحيان مجرد آلات انتخابية موسمية؟ بل أكثر من ذلك، هل تحولت بعض التوجيهات الملكية إلى مجرد مادة للاستهلاك الإعلامي ورفع نسب المشاهدات والتفاعل الرقمي، دون إرادة حقيقية للتنزيل والتفعيل؟

وفي عمق هذه الأسئلة، يطفو إحساس متزايد بوجود “مغرب بسرعتين”؛ مغرب يستفيد فيه أصحاب النفوذ والامتيازات من الفرص والامتدادات، ومغرب آخر يواصل فيه المواطن البسيط الركض خلف أبسط شروط العيش الكريم. وهو واقع يجعل الحديث عن العدالة الاجتماعية وربط المسؤولية بالمحاسبة وتجديد النخب يبدو أحياناً بعيداً عن التطبيق الفعلي.

الفاعلة الجمعوية لم تخف أيضاً تخوفها من استمرار هيمنة المال على السياسة، ومن تحول الانتخابات عند بعض الأطراف إلى سوق للمقاعد بدل أن تكون منافسة للأفكار والبرامج. فحين يصبح النفوذ المالي مفتاح الوصول إلى القرار، تضيع الكفاءات، ويُقصى الشباب، ويتراجع منطق الاستحقاق لصالح الولاءات والمصالح.

ورغم هذا النقد، فإن حديث العرجوني لم يكن خطاب يأس بقدر ما كان صرخة تنبيه. فالمغرب، بحسب تعبيرها، يقف أمام مرحلة مفصلية وحاسمة، مرحلة لا يمكن أن تُدار بالعقليات القديمة نفسها ولا بالأدوات التقليدية ذاتها. لأن القطار الذي رسم جلالة الملك مساره نحو مغرب التنمية والكرامة والعدالة، يحتاج إلى نخب جديدة تؤمن بالفعل لا بالشعار، وإلى جرأة سياسية حقيقية تترجم التوجيهات إلى قرارات وممارسات يومية.

ويبقى السؤال الذي يردده كثير من المغاربة اليوم: هل نشهد فعلاً بداية تحول عميق يعيد الثقة للشباب ويفتح المجال أمام الكفاءة والنزاهة؟ أم أن خطابات الإصلاح ستظل تصطدم بجدران المصالح والحسابات الضيقة؟

أسئلة قد تبدو ثقيلة، لكنها في النهاية تعكس انتظارات جيل كامل، جيل لم يعد يبحث فقط عن الوعود، بل عن أثر حقيقي يراه في السياسة والإدارة والحياة اليومية.