في سياق الصراع المتصاعد حول مياه النيل، يعود إلى الواجهة اسم الجغرافي الإسرائيلي أرنون سوفير، الأستاذ في جامعة حيفا والباحث المعروف بدراساته حول الجغرافيا السياسية والمياه والأمن القومي في الشرق الأوسط، والذي تناول مبكرًا احتمالات تحوّل المياه إلى مصدر للصراعات الإقليمية.
في كتابه “Rivers of Fire”، الصادر عام 1999، توقف سوفير أمام حالة نهر النيل وإثيوبيا، التي تأتي من مرتفعاتها النسبة الأكبر من المياه الواصلة إلى مصر عبر النيل.
ومن هذه النقطة طرح منطقًا بالغ الحساسية: إلى متى ستستمر إثيوبيا في السماح بتدفق هذه المياه نحو مصر والسودان من دون الاستفادة منها بما يتناسب مع موقعها كدولة منبع؟
رؤية سوفير تنقل مركز النقاش من الحقوق التاريخية لدول المصب إلى حق دولة المنبع في استخدام المورد وتطويره والتحكم بمشاريعها المائية، وصولًا إلى طرح أفكار مرتبطة بالحصول على مقابل.
وبهذا المنطق، يتحول موقع إثيوبيا الجغرافي من مجرد منبع للنيل إلى ورقة استراتيجية، فيما يصبح استمرار تدفق المياه إلى مصر جزءًا من معادلة سياسية واقتصادية وأمنية أوسع.
وبعد أكثر من ربع قرن على صدور الكتاب، تبدو بعض الأسئلة التي طرحها سوفير حاضرة بقوة في أزمة النيل اليوم: من يملك حق استخدام المياه؟ وما حدود سلطة دولة المنبع؟ وكيف تُحمى مصالح دول المصب؟ وبين أفكار طُرحت عام 1999 والجدل الراهن حول السدود وتقاسم المياه، يظل التشابه في طبيعة الأسئلة لافتًا، وإن كان لا يثبت في حد ذاته أن السياسات الإثيوبية الحالية جاءت نتيجة مباشرة لأفكار سوفير.