الرئيسية » تقافة و فنون » مولاي عبد السلام .. الأمير الشاعر الضرير

مولاي عبد السلام .. الأمير الشاعر الضرير

مولاي عبد السلام؛ الأمير الشاعر الضرير صاحب العرصة التي صارت أشهر من نار على علم…

لعل أغلب المراكشيين ـ إن لم يكونوا جميعا من عند آخرهم ـ بل وحتى زوار المدينة، يعرفون عرصة مولاي عبد السلام ذات الموقع المتميز غير البعيد عن مسجد الكتبية التاريخي، لكن التساؤل الذي يفرض نفسه هو:

من هو مولاي عبد السلام نفسه، وهل له قصة وحكاية تستحق أن تروى؟

في واقع الأمر نعم، لأن مولاي عبد السلام هو من الأبناء الصغار للسلطان العلوي محمد بن عبد الله ـ محمد الثالث ـ الذي حكم المغرب بين سنتيّ 1757 و1790 حين توفيّ ـ كان قد ولد عام 1715 ـ وقد تلقى الحديقة/العرصة كهدية زواج؛ تماما كأخيه مولاي المامون الذي تلقى عرصة بمناسبة زواجه أيضا، وهي تلك التي بني عليها فندق المامونية الشهير مطلع القرن العشرين، هذا علما أن السلطان محمد بن عبد الله كان له العديد من الأبناء لعل من أشهرهم اليزيد ابنه من امرأة إيرلندية وهو الذي سيخلف أباه على عرش البلاد، كما كان من أبنائه عبد الرحمن، الحسين، هشام، سليمان، مَسْلَمة، عبد السلام، والمامون…

وعلى ذكر اليزيد، الأخ الأكبر لمولاي عبد السلام، فقد عقدت له البيعة بمسجد المنصور الموحدي في حومة القصبة تامراكشت، وكان ذلك أحد أيام الجمعة من شهر أبريل سنة 1790، وهذا هو السبب في كون هذا المسجد الطيب المبارك قد عرف عند العامة باسم مولاي اليزيد أكثر من مؤسسه قبلها بستة قرون ونيّف السلطان الموحدي أبو يوسف يعقوب المنصور، لكن مولاي اليزيد المزداد سنة 1750 لن يهنأ كثيرا بالحكم إذ سيتوفى بعد توليه بأقل من سنتين، وكان ذلك في شهر فبراير 1792 عن عمر لم يتجاوز 41 ربيعا…

أما مولاي عبد السلام، فقد ولد عام 1756 ويرجح أنه قد توفيّ في حدود سنة 1812/1813، وتصفه المصادر التاريخية بأنه كان رجلا مثقفا عالما وشاعرا نحريرا شغل مناصب ديبلوماسية وسياسية، منها والي لمنطقة تارودانت وسوس، ومستشار لوالده السلطان محمد بن عبد الله، كما ينسب لمولاي عبد السلام أنه ألف كتابا بعنوان “درة السلوك وريحانة العلماء والملوك”…

ليس هذا فحسب، فمولاي عبد السلام تنقل في حياته بين بلاد المغرب ومصر والشام وطرابلس (لبنان حاليا) والحجاز، ثم إنه اتصل بالعديد من العلماء في جامعة القرويين بمدينة فاس حيث أخذ عنهم علوم الشريعة واللغة والأدب، وواظب على مجالس العلم في البلاد التي زارها، كما أنه أدى فريضة الحج…

وقد كان مولاي عبد السلام شاعرا فحلا نحريرا كما أسلفنا، وهو الذي دوّن معظم أشعاره في كتابه الآخر «اقتطاف من حدائق الأفكار»، ولمولاي عبد السلام عدة مخطوطات محفوظة بالخزانة الحسنية في الرباط منها: الرحلة الحجازية، المنح العظيمة والمواهب الجسيمة، درة السلوك وريحانة العلماء والملوك، مفيد العباد لطرق الرشاد…

وقد رجح الناصري في كتابه الأشهر “الاستقصا” وغيره أن مولاي عبد السلام كان كفيفا ضريرا، رحم الله تعالى الجميع…

ختاما، من نافل القول التأكيد على الدور الذي لعبته هذه العرصة كمتنفس للمراكشيين طيلة قرون من الزمن، ثم كمكان للحفظ ومراجعة الدروس عند الطلبة المقبلين على الامتحانات إلى غاية وقت قريب من أواخر القرن الماضي…

يقول مولاي عبد السلام في قصيدته “وذاتُ خالٍ”:

وذاتِ خـالٍ كأن الـبـدرَ غرَّتُهــــــــــــا………قـد أوقـدتْ فـي حشـا الأحشـاء نـيرانـــا
بـانـتْ فبـان اصْطِبـاري قـلـتُ يـا أسفـــي………ثـم انصرفتُ ودمع العـيـن تَهْتـانــــــا
عجـبتُ واللهِ كـيف الصـبرُ عـن قـمـــــــرٍ………مـا مـثلُه فـي بسـيـط الأرض إنسـانـــــا
ظلَّتْ تُنـادمـنـي يـومَ الرحـيل وقــــــــد………بَثَّتْ صـبـابتُهـا فـي القـلـب أحـزانـــــا
فقـلـت: مهلاً فدتكِ النفسُ يـا أمـلــــــي………فلـيس للقـلـب عـرضٌ مـنك يرضـانــــــــا
أنـتِ حـيـاتـي وأنـت راحتــــــــي، وكفى………بحـبِّكـم فـي صـمـيـم القـلـب عـنـوانـــا
الله يعـلـم أنـي مـن فراقكــــــــمُ………فـارقتُ نـومـي وجُندُ الصـبر قـد بـانــــا
فـنسأل الله أن يبقـيكِ فـي نعــــــــــمٍ………وفـي سـرورٍ وأن يـقضـي بـلُقْيـانــــــــا

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *