عبد العزيز السيدي
ملخص المقال
يتناول هذا المقال التحول الاستراتيجي في الممارسة التعليمية من التلقين الآلي إلى هندسة التعلمات، مسلطاً الضوء على أبعاد التدبير التربوي الحديث. يستعرض المقال آليات التدبير الصفي، وهندسة الوضعيات التعلمية وفق المقاربات الديداكتيكية المعاصرة، والبيداغوجيات الفعالة، وصولاً إلى أهمية الممارسة التبصرية في تحقيق التنمية المهنية المستدامة للمدرس.
المدخل المفهومي والإبستمولوجي للتدبير التربوي
يشكل التدبير التربوي الرافعة الاستراتيجية الكفيلة بنقل الممارسة التعليمية من نمط “التلقين الآلي للمعارف” إلى أفق “هندسة التعلمات”. إن هذا التحول ليس مجرد تغيير اصطلاحي، بل هو إعادة صياغة لجوهر العملية التربوية؛ حيث يُعرّف التدبير بكونه فناً لتحويل الخطط والنظريات الاستشرافية إلى واقع ملموس، وجسراً يربط بين جذاذات التحضير والممارسات الفعلية لتحسين جودة التعلم.
ويتأسس التدبير كنظام ديناميكي متكامل يربط في نسيجه بين أفعال المدرس (تخطيطاً وتنظيماً) وتفاعلات المتعلمين، قصد دفعهم للانخراط النشط في بناء صروحهم المعرفية. يتقاطع هذا الطرح بشكل جلي مع الرؤية الاستراتيجية للإصلاح (2015-2030) بالمغرب، والتي دعت صراحة إلى ضرورة انتقال المدرسة من منطق “شحن الذاكرة” إلى منطق “تنمية الذكاء وبناء القدرات”¹. في هذا السياق، يؤكد السوسيولوجي الفرنسي “إدغار موران” (Edgar Morin) أن التربية الحديثة يجب أن تسعى إلى “تعليم الفهم” وليس مجرد نقل المعطيات².
إن هذا المنظور يفرض قطيعة مع “التدبير التقليدي” المتمركز حول المدرس كباعث وحيد للمعلومة ومراكم للمفاهيم، للارتقاء نحو “التدبير الحديث” المتمركز حول المتعلم، حيث يضطلع المدرس بدور الميسر والمصاحب عبر وضعيات دالة وصراعات سوسيو-معرفية مثمرة.
مجالات التدبير الصفي والنظام البيئي للفصل الدراسي
يتحدد نجاح الفعل التعليمي بمدى قدرة المدرس على ضبط المحددات المادية والرمزية التي تشكل البيئة الحاضنة للتعلم، وهي مجالات تتكامل فيما بينها لضمان جودة الأثر التربوي:
تدبير الزمن: يرتكز على “الاستغلال المعقلن” للغلاف الزمني، كإجراء استباقي لمحاربة الهدر المدرسي. وتكمن براعة التدبير في “تفادي الوقت الميت”، مما يضمن الحفاظ على إيقاع التعلم ويحول دون ظهور السلوكات المشوشة التي تتغذى على الفراغات الزمنية.
تدبير الفضاء: يهدف التنظيم الصفي والتموضع السليم للمدرس إلى ضمان انسيابية التفاعل. الهدف الأسمى هو التحكم في دينامية القسم دون اللجوء للأوامر المباشرة، من خلال الاستثمار الذكي للغة الجسد والنظرات ولغة الصمت.
تدبير الوسائل التعليمية: تُصنف كـ “أسس مادية لإنتاج المعرفة” وليست مجرد تأثيث بيداغوجي. ويشترط لتوظيفها: الملاءمة للمستوى السيكو-معرفي للمتعلم، القدرة التحفيزية، والارتباط الديداكتيكي العضوي بالأهداف.
هندسة وضعيات التعلم والمقاربات الديداكتيكية
تتأسس هندسة التعلمات على مسار تدرجي يبدأ بخلخلة التوازن المعرفي وينتهي بالإدماج. وتتدرج هذه الوضعيات كالتالي:
الوضعية الاستكشافية: تهدف لخلخلة المكتسبات القبلية وتهيئة الذهن لاستقبال موارد جديدة.
الوضعية-المشكلة: تُعد “محرك البناء المعرفي”؛ فهي لغز محير يضع المتعلم أمام “عائق إبستمولوجي” يتجاوز إمكاناته الحالية، مما يضطره لتعبئة موارده ذاتياً لتجاوزه.
الوضعيات الديداكتيكية والمركبة: تهدف لإرساء الموارد بشكل مهيكل وتقويم الكفاية عبر حل مشكلات حقيقية . يرى الخبير البيداغوجي السويسري “فيليب بيرنو” (Philippe Perrenoud) أن الكفاية لا تتشكل إلا عبر مواجهة المتعلم لوضعيات معقدة تستدعي تعبئة موارده (المعرفية، المهارية، والوجدانية)³. وفي السياق المغربي، يؤكد الباحث التربوي “عبد الكريم غريب” أن المقاربة بالكفايات حررت قدرات المتعلم من “النزعة التايلورية” التي اتسمت بها المقاربة بالأهداف، والتي كانت تجزئ السلوك وتنمط المردودية⁴.
البيداغوجيات الفعالة ومنهجية تعلم التعلم
تقتضي عصرنة التدبير تبني ترسانة بيداغوجية تنقل المتعلم من وضع “المنفذ” إلى وضع “الفاعل”، وتشمل: بيداغوجيا المشروع، وبيداغوجيا المجموعات للتعلم التعاوني، والبيداغوجيا الفارقية للاستجابة لتعدد الذكاءات. ويبرز نهج التقصي العلمي كنموذج لهندسة التفكير، متدرجاً عبر ست خطوات:
الانطلاق من وضعية محيرة. رصد التمثلات. صياغة الفرضيات. أنشطة البحث. التأويل وهيكلة المكتسبات. التقويم وتقديم التغذية الراجعة.
تعد التربية المعرفية والميتامعرفة حجر الزاوية في تمكين المتعلم من الوعي بصيروراته الذهنية:
الوساطة والصراع السوسيو-معرفي: يلعب المدرس دور الوسيط لإثارة التقابل بين رؤى المتعلمين لبناء معرفة جديدة. وهذا يتطابق مع نظرية النمو المعرفي لـ “ليف فيغوتسكي” (Lev Vygotsky) الذي يرى أن التعلم يحدث في “منطقة النمو الوشيك” عبر التفاعل الاجتماعي⁵.
بيداغوجيا الخطأ: يُتعامل مع الخطأ كـ “حق للمتعلم” وشرط إنساني وعائق إبستمولوجي يتطلب التشخيص والعلاج بدلاً من العقاب. ويُحيلنا هذا إلى الفيلسوف “غاستون باشلار” (Gaston Bachelard) الذي يعتبر أن الحقيقة العلمية هي دائماً “خطأ تم تصحيحه”⁶.
التواصل الصفي: يمثل العصب الحي للتدبير، حيث يزاوج المدرس بين التواصل العمودي (توجيه) والأفقي (بناء مشترك) لضبط دينامية الفصل دون اللجوء للخطاب السلطوي.
تشريح أساليب التدريس والممارسة التبصرية (الباراديغم المهني)
يمثل أسلوب التدريس البصمة المهنية للمدرس، ويدمج بين الأربعة أبعاد: الديداكتيكية (تخطيط)، البيداغوجية (تنشيط)، العلاقية (مناخ الفصل)، والشخصية (تمثلات ومواقف).
تعتبر “الممارسة التبصرية” المحرك الفعلي للتنمية المهنية؛ فهي موقف دائم للمساءلة يهدف لتحويل “المعارف المهنية الضمنية إلى وعي مصرح به”. وقد أسس الباحث الأمريكي “دونالد شون” (Donald Schön) لمفهوم “الممارس المتأمل” (The Reflective Practitioner)، مؤكداً أن المدرس المتميز يبني معرفته أثناء الفعل وبعده⁷.
وتتجسد هذه الممارسة في الباراديغم (عملي – نظري – عملي)، حيث تخضع التجربة الميدانية للتحليل والتنظير قبل العودة إليها بتعديلات تجود الأداء عبر المسار التالي: الممارسة الفعلية ← التفكير والتحليل (مساءلة القرارات) ← التنظير (استخلاص القواعد) ← التعديل والتصويب.
خلاصات تركيبية
أولاً: المدرس كـ “مايسترو متأمل”: تصل الكفاية المهنية إلى ذروتها عندما يتحول المدرس من “منفذ للبرامج” إلى “مايسترو متأمل”؛ حيث تقود الممارسة التبصرية دينامية التدبير اليومي، وتزاوج باحترافية بين هندسة البيئة والأبعاد السيكو-معرفية للمتعلمين.
ثانياً: الفصل الدراسي كمختبر إنساني: إن الغاية الكبرى للتدبير الديداكتيكي الحديث هي إحداث قطيعة مع المدرسة التقليدية، وتحويل الفصل الدراسي من فضاء جامد للاستهلاك إلى “مختبر حي” لبناء الإنسان وإنتاج المعرفة.
ثالثا: التنمية المهنية المستدامة: لا يكتمل هذا البناء إلا بتبني المدرس لدينامية التبصر المستدام، حيث يصبح الفصل مرآة عاكسة لتطوره الذاتي، مما يجعله باحثاً مستمراً في سيكولوجيا التعلم، ومهندساً حقيقياً لعقول الغد.
الهوامش
(1) المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي. (2015). الرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2015-2030: من أجل مدرسة الإنصاف والجودة والارتقاء. المملكة المغربية.
(2) Morin, E. (1999). Les sept savoirs nécessaires à l’éducation du futur. UNESCO. (إشارة لضرورة تعليم الفهم).
(3) Perrenoud, P. (1997). Construire des compétences dès l’école. ESF éditeur. (بناء الكفايات والموارد المعرفية).
(4) غريب، عبد الكريم. (2006). المنهل التربوي، معجم موسوعي في المصطلحات والمفاهيم البيداغوجية والديداكتيكية. (إشارة لتجاوز النزعة التايلورية).
(5) Vygotsky, L. S. (1978). Mind in Society: The Development of Higher Psychological Processes. Harvard University Press. (التفاعل السوسيو-معرفي).
(6) Bachelard, G. (1938). La formation de l’esprit scientifique. Vrin. (العائق الإبستمولوجي والخطأ).
(7) Schön, D. A. (1983). The Reflective Practitioner: How Professionals Think in Action. Basic Books. (الممارسة التبصرية والممارس المتأمل).