آخر الأخبار

ما بعد الانتخابات التشريعية البيئة في صلب الالتزامات والاختيارات

عبد الرزاق القاروني

بعد الإعلان عن نتائج الانتخابات التشريعية لسنة 2026 بالمغرب، بتصدر ثلاثة أحزاب لواجهة المشهد السياسي، وهي الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار والاستقلال، وتعيين فاطمة الزهراء المنصوري، عن حزب الأصالة والمعاصرة، لتشكيل الحكومة، لتكون بذلك أول امرأة، في تاريخ البلاد، يعهد إليها القيام بهذه المهمة، يرى عدد من الملاحظين والمتتبعين البيئيين والسياسيين لتدبير الشأن العام أن التحدي المطروح، حاليا، لا يكمن في مجرد تشكيل حكومة جديدة، وإنما فيما ينبغي أن تكون عليه هندسة الحكومة والحكامة، من خلال إدماج الماء والأرض، والبحر والطاقة والرأسمال الطبيعي، والاقتصاد والشغل والمجالات الترابية في اختيارات عمومية متكاملة وقابلة للقياس، وذلك من أجل إرساء هندسة حكومية جديدة، وحكامة فعالة ومندمجة والتقائية.

وفي هذا السياق، الذي يتميز بانطلاق التوافقات والمشاورات لتشكيل الحكومة المقبلة، التي ينتظر منها المواطن الشيء الكثير في عدة مجالات، خصوصا وأن المغرب على مشارف تنظيم كأس العالم لسنة 2030، أصدر المجتمع المدني البيئي، على الصعيد الوطني، بلاغا صحفيا موضوعاتيا حول إدماج البعد الإيكولوجي في تنزيل السياسات الحكومية بالبلاد.

ومن خلال هذا البلاغ، أكد النسيج الجمعوي أن الهدف من لقائه، في هذا الشأن، ليس اقتراح توزيع سياسي للحقائب الوزارية، وإنما فتح نقاش وطني حول كيفية جعل الرأسمال الطبيعي والمناخ، والأمن المائي والغذائي والطاقي، والاقتصاد الأزرق محددات فعلية للاختيارات العمومية، وربط التمويل بالخط الأساس، والمؤشرات والنتائج والمساءلة، موضحا أنه لم يعد ممكنا النظر إلى الماء والطاقة، والشمس والبحر، والتربة والغابات، والتنوع البيولوجي والغذاء، على كونها ملفات قطاعية منفصلة، وإنما ينبغي اعتبارها جزءا من الرأسمال الطبيعي والاستراتيجي للوطن، ومن أسس السيادة والأمن المائي والغذائي والطاقي والبيئي والمناخي، ومضيفا أن هذه المكونات تحدد، بصورة متزايدة، قدرة المغرب على خلق الثروة والاستثمار، والحفاظ على فرص الشغل، خاصة للشباب، وضمان الأمن الغذائي والمائي والطاقي، وحماية القدرة التنافسية للاقتصاد، ومواجهة تغير المناخ والجفاف والمخاطر المتزايدة، إضافة إلى تحقيق تنمية متوازنة بين الجهات والمجالات.

كما أفاد أن ما ننتظره من المرحلة الحالية للمفاوضات بين الأحزاب ليس توزيع الحقائب الوزارية بذات الطريقة، لإرضاء أشخاص وأحزاب ببنية قطاعية مشتتة تنتمي إلى الماضي، وإنما نحتاج إلى بنية حكومية تقدر إمكانات البلاد، وتساعد على سياسة مندمجة والتقائية، وكذا توزيع للاختصاصات، من شأنه تحقيق الانتظارات ورفع التحديات.

ثم شدد على أن مسألة الحكامة تحيل إلى سؤال أعمق يهم طريقة تنظيم القرار العمومي، وتوزيع الاختصاصات: هل يمكن أن نستمر في وضع كل متر مربع من المغرب وعقاراته وإمكاناته بيد وزارة واحدة ضخمة، تتحكم في مساحة تقدر بحوالي 1.2 مليون كيلومتر مربع، هي المنطقة الاقتصادية الخالصة للبلاد، وفي حوالي 12 مليون هكتار من الأراضي الفلاحية، و9 ملايين هكتار من الأراضي الغابوية، بينما يترك تدبير ما تبقى من أراضي الوطن، في العالم القروي، لمديرية بسيطة تعنى بتنمية العالم القروي؟، ما جعله يؤكد أن السؤال، هنا، ليس بيئيا فقط، وإنما هو سؤال اقتصادي واستراتيجي ومؤسساتي بالدرجة الأولى: كيف يمكن تثمين القيمة الاقتصادية والاجتماعية لهذه المجالات، وخلق الثروة وفرص الشغل والاستثمار، وضمان الأمن الغذائي والمائي والطاقي، وحماية الموارد التي يقوم عليها الاقتصاد الوطني، في ظل تعدد الاستعمالات والفاعلين والضغوط والفرص؟

وفي هذا الإطار، وبخصوص تدبير المجال البحري، تساءل البلاغ: هل تكفي البنية القطاعية الحالية بقطاع الصيد البحري، لتدبير كل إمكانات البحر والاقتصاد الأزرق وعشرات المجالات والفرص الاقتصادية القابلة للتطوير أو الابتكار، والتي تتطلب التنسيق والاندماج في استعمال الفضاء البحري ذاته، أمام تعدد الضغوط والفرص المرتبطة به؟ أم أن المرحلة المقبلة تستدعي التفكير في إعادة هيكلة حكامة المجال البحري، بما قد يشمل الانتقال من تدبير قطاعي للصيد إلى إحداث وزارة قوية هي «وزارة البحر والاقتصاد الأزرق»، بتنسيق واضح مع القطاعات والمؤسسات القائمة، والحفاظ على الاختصاصات، وتجنب تكرار المؤسسات، يعهد إليها تجميع وتنسيق القضايا المرتبطة بالبحر؟، مبرزا أن الهدف، في هذا الشأن، ليس إنشاء وزارة جديدة لذاتها، وإنما بناء حكامة تمكن من تنسيق السياسات، وحماية الرأسمال الطبيعي والاستراتيجي، وتثمين القيمة الاقتصادية والاجتماعية المستدامة، وخلق الثروة والاستثمار وفرص الشغل، إلى جانب تعزيز السيادة والأمن الوطنيين.

ثم أشار أن ذات الأمر ينطبق على الماء، إذ المطلوب ليس فقط زيادة العرض، وإنما الانتقال نحو إدارة الطلب والنجاعة والاقتصاد الدائري للماء، مع التركيز على الاقتصاد في الاستهلاك، ومحاربة الهدر، والحماية الفعلية للفرشات المائية، والتدبير المندمج للموارد المائية، وتصفية وإعادة استعمال المياه العادمة، وتطوير تحلية المياه وتجميعها، مع مواصلة إنجاز البنيات المائية الاستراتيجية، بما فيها السدود، ضمن رؤية متكاملة للأمن المائي، ومن بين الخيارات التي تستحق النقاش، في هذا الشأن، الانتقال من «وزارة الماء والتجهيز» إلى «وزارة الماء والاقتصاد الدائري»، بما يعكس أولوية إدارة المورد، وليس فقط زيادة العرض.

أما في مجال الفلاحة، فأكد البلاغ على ضرورة عدم تركيز السياسة العمومية فقط على الإنتاج والتصدير، بل يجب أن تهتم أكثر بالسيادة الغذائية، وجودة الغذاء وسلامته، ودخل المنتجين واستدامة الموارد. ومن هنا يطرح للنقاش تصور «وزارة الفلاحة والسيادة الغذائية»، التي يعهد إليها تحديد حاجيات التغذية الوطنية من الإنتاج، وضمان جودته وسلامته الصحية، واعتماد معايير صحية صارمة للمنتجات الموجهة للسوق المحلي، وتتبع المنتجات إلى حين وصولها إلى المستهلك، والحد من الوسطاء، بما يعزز دخل الفلاحين، وربط الدعم والاستثمارات بالنجاعة المائية، علاوة على حماية التربة والتنوع البيولوجي وتعزيز السيادة الغذائية.

وبالنسبة للبيئة والمناخ، فقد أبان البلاغ أنه لم يعد ممكنا أن يظل هذا المكون الحيوي في تموقع هامشي، ينظر إليه كقطاع إداري مواز وغير ملزم لباقي السياسات، وإنما المأمول، في هذا المجال، هو جعل الرأسمال الطبيعي والمناخ والقدرة على الصمود محددات فعلية للقرارات الاقتصادية والاجتماعية والمالية والترابية، مشيرا أن من بين الخيارات المطروحة للنقاش، في الموضوع، هو «قطب حكومي قوي أو وزارة دولة للتنمية المستدامة والمناخ»، تكون مهمتها ضمان الالتقائية، وإدماج هذه المحددات في صميم القرار العمومي، بما يخدم الاقتصاد والاستثمار، والتشغيل والتنمية الترابية والأمن الوطني.

وفي مجال الطاقة، أورد البلاغ أن المرحلة المقبلة تقتضي تسريع وتيرة الطاقات المتجددة، والنجاعة والإنتاج الذاتي، والتخزين والشبكات الذكية، مع تطوير الصناعة والقيمة التكنولوجية الوطنية، ما يستدعي فتح نقاش حول «وزارة الانتقال الطاقي والنقل»، بما يتيح تكاملا أكبر بين سياسات الطاقة والنقل والتنقل، دون تكرار المؤسسات أو إلغاء الاختصاصات القائمة.

كما دعا إلى ضرورة اضطلاع وزارة الاقتصاد والمالية بدور أساسي في إدماج محاسبة الرأسمال الطبيعي في قانون المالية، بما يضمن أخذ أثر الإنفاق والاستثمار العمومي على الماء والغذاء، والتربة والغابات، والتنوع البيولوجي والموارد الطبيعية والمناخ بعين الاعتبار، لأن القرار المالي لا ينبغي أن يقيس فقط ما ينفقه المغرب، وإنما، أيضا، ما يحافظ عليه، وما يستعيده، وما يضيفه من قيمة اقتصادية واجتماعية وبيئية، على المدى المتوسط والبعيد، مبرزا أن المغرب يحتاج، اليوم، إلى طريقة جديدة في تنظيم القرار العمومي، تجعل كل متر مربع معروفا، وكل مورد مقدرا، وكل ضغط مرصودا، وكل مسؤولية محددة، وكل درهم مستثمر مرتبطا بنتيجة قابلة للقياس، لأن الرأسمال الطبيعي ليس قطاعا من قطاعات الدولة، بل هو الأساس الذي تعمل عليه جميع القطاعات، وكلما تدهور هذا الأساس، ارتفعت كلفة التنمية، وتراجعت قدرتها على خلق الثروة وفرص الشغل والصمود، وكلما حسن تدبيره واستثماره، أصبح مصدرا متجددا للقيمة والرفاه والعدالة بين الأجيال.

وفي الختام، شددت الورقة الإخبارية على أن القاعدة التي ينبغي أن تؤطر الولاية التشريعية المقبلة هي: لا تمويل بدون خط أساس، ولا صرف بدون مؤشرات، ولا استمرار بدون نتائج، موضحة أن الأمر لا يتعلق بمجرد قاعدة جديدة، وإنما بتغيير في نموذج اتخاذ القرار العمومي: من زيادة العرض إلى إدارة الطلب والنجاعة، ومن استغلال الموارد إلى تجديد الرأسمال الطبيعي، ومن المشاريع القطاعية إلى السياسات المتكاملة، ومن الالتزامات إلى أهداف قابلة للقياس والتمويل والتتبع، ومشيرة أن الرأسمال الطبيعي ليس كلفة وثقل على التنمية، بل هو أحد شروط استمرارها.