آخر الأخبار

سبتة و مليلية : من المِيتيس إلى الكايروس؟

من الخطاب إلى الفضاء الأممي

 محمد محاسن 

وفي الوقت نفسه تقريباً، ظهر تحرك مغربي من نوع آخر. فقد تقدمت مؤسسة «ماروميد مبادرات» بطلب إلى رئاسة اللجنة الرابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة للسماح لها بعرض ملف سبتة ومليلية وصخرة باديس والجزر الجعفرية خلال دورة أكتوبر 2026، مستندة إلى وثائق تاريخية وقانونية وخرائط وسوابق لطرح القضية داخل الفضاء الأممي.

وهنا ينبغي الحفاظ على تمييز أساسي : إن الأمر يتعلق هنا بمبادرة مدنية مغربية، ليست في حد ذاتها قراراً رسمياً من الدولة المغربية بإعادة فتح الملف داخل اللجنة الرابعة. كما أن تقديم طلب إلى اللجنة لا يعني تلقائياً قبوله أو إدراج القضية رسمياً في جدول أعمالها. لكن دلالته السياسية والفكرية تستحق التوقف عندها.

فبعد عقود من الحضور المحدود للملف في النقاش الدولي، نجد خلال فترة زمنية قصيرة تصريحاً حكومياً يعيد الحديث عن الحقوق التاريخية والجغرافية، وإشارات تستحضر الذاكرة المغربية لسبتة، ومبادرة مدنية تسعى إلى إعادة الملف إلى فضاء أممي يتعامل، من بين اختصاصاته، مع قضايا تصفية الاستعمار.

قد تكون هذه التحركات مستقلة بعضها عن بعض. كما أنه لا توجد، في المعطيات المتاحة، قرينة تسمح باعتبارها أجزاء من خطة منسقة واحدة. لكن تزامنها يكشف على الأقل أن أزمة 2026 لم توقظ الذاكرة الإسبانية والأوروبية وحدها. لقد أيقظت أيضاً الذاكرة المغربية للملف.

وهنا ربما تظهر أولى ملامح انتقال يستحق المتابعة : من موقف محفوظ في الذاكرة السياسية إلى قضية تعود تدريجياً إلى المجال العمومي والدبلوماسي والأكاديمي والدولي.

 مرآة جبل طارق

 هنا تصبح المقارنة مع جبل طارق مفيدة، شرط ألا تتحول إلى قياس قانوني مبسط.

فإسبانيا نفسها لا تعتبر الوضع القائم في جبل طارق نهاية للقضية. إنها تتمسك بمطالبتها بالسيادة، وتصف جبل طارق في خطابها الرسمي باعتباره وضعاً استعمارياً ينبغي تجاوزه، وفي الوقت نفسه تتفاوض مع بريطانيا وتتعاون معها وتبرم التفاهمات التي تسمح بتدبير حياة السكان والحدود والاقتصاد.

ولا توجد مفارقة في ذلك. فالدولة تستطيع أن تتعاون مع دولة أخرى تعاوناً وثيقاً، وفي الوقت نفسه تحتفظ بخلاف سيادي معها.

وهنا يصبح السؤال مشروعاً : إذا كان استمرار المطالبة الإسبانية بجبل طارق لا يمنع التعاون الإسباني البريطاني، فلماذا ينبغي أن يكون فتح حوار مغربي إسباني حول سبتة ومليلية متعارضاً من حيث المبدأ مع الشراكة بين الرباط ومدريد؟

هذا لا يعني أن الملفات الثلاثة متطابقة. فتاريخها وأوضاعها القانونية ومساراتها الدولية مختلفة. فالمقارنة الجادة لا تقوم على الادعاء بالتطابق. بل إن ظيفتها هنا هي اختبار اتساق المبدأ : هل يمكن للشراكة أن تتعايش مع خلاف سيادي؟ التجربة الأوروبية نفسها تقول إن ذلك ممكن.

 وفلسطين – سؤال اتساق المبادئ

 

يمكن توسيع السؤال إلى مستوى آخر، مع الاحتفاظ بالاحتراز نفسه. لقد اتخذت إسبانيا خلال السنوات الأخيرة مواقف واضحة بشأن القضية الفلسطينية، واعترفت بدولة فلسطين، وأكدت رفضها للاحتلال والاستيطان والتغييرات الأحادية في الأراضي.

رغم لا يجوز قانونياً أو تاريخياً مساواة القضية الفلسطينية بسبتة ومليلية. فلكل ملف سياقه ومرجعيته ومساره الدولي. لكن المقارنة هنا أيضاً لا تبحث عن التطابق. إنها تبحث عن اتساق المبادئ.

فإذا كانت إسبانيا تعتبر أن استمرار واقع ترابي لعقود لا يكفي وحده لإغلاق النقاش حول الحقوق والسيادة في حالات دولية أخرى، فمن المشروع فكرياً التساؤل عن المعايير التي تجعل الزمن في بعض القضايا غير قادر على إنهاء المطالبة، بينما يراد له في قضايا أخرى أن يتحول إلى حجة نهائية.

السؤال لا يقرر الجواب. لكنه يمنع المبادئ من التحول إلى أدوات انتقائية.

 

من الدفاع عن الموقف إلى إعادة بناء الرواية

 

ربما تكمن إحدى نقاط الضعف الأساسية في إدارة ملف سبتة ومليلية في أن الموقف المغربي ظل معروفاً أكثر مما ظل مفسراً. هناك فرق بين أن تمتلك الدولة موقفاً تاريخياً وبين أن تمتلك رواية استراتيجية متكاملة لهذا الموقف.

الرواية تحتاج إلى تاريخ. وإلى قانون دولي. وإلى خرائط ووثائق وأرشيف. وإلى دراسات أكاديمية متعددة اللغات. وإلى مراكز تفكير. وإلى دبلوماسية برلمانية. وإلى إعلام قادر على مخاطبة الرأي العام الإسباني والأوروبي والدولي بلغته ومفاهيمه، لا فقط مخاطبة الجمهور الوطني.

لا يتعلق الأمر ببناء دعاية مضادة. فالدعاية عمرها قصير ومفعولها لا يفتأ يندثر ويضعف.

أما الرواية القوية فهي التي تستطيع عرض حججها والاعتراف في الوقت نفسه بوجود حجج مخالفة، ثم تترك الوثيقة والتاريخ والقانون والنقاش الأكاديمي يقوم كل منها بدوره.

إن الدفاع الأكثر قوة عن قضية معقدة ليس بالضرورة الدفاع الأعلى صوتاً. بل الأكثر توثيقاً.

 

من المِيتيس إلى الكايروس؟

 

هنا نعود إلى السؤال المركزي. المِيتيس ليست نقيض الكايروس. الأولى تجيب عن سؤال : كيف نتحرك؟ والثاني يجيب عن سؤال : متى نتحرك؟

قد تمتلك الدولة ذكاءً استراتيجياً عالياً في إدارة ملف معين، لكنها تخطئ في تحديد اللحظة. وقد تدرك اللحظة، لكنها تفتقر إلى الوسيلة المناسبة. أما القيادة الاستراتيجية فتحتاج الاثنين معاً. ولهذا فإن السؤال ليس : هل ينبغي للمغرب التخلي عن المِيتيس التي طبعت إدارة الملف لعقود؟ بل : هل تستطيع المِيتيس المغربية أن تتعرف اليوم إلى الكايروس؟ أي أن تدرك ما إذا كانت التحولات المحيطة بالملف بلغت مستوى يستدعي الانتقال من مجرد الحفاظ على الموقف إلى إعادة تنظيم أدوات التعبير عنه.

 الصرامة الهادئة

ربما نحتاج هنا إلى مفهوم ثالث يجمع الاثنين : الصرامة الهادئة. فالصرامة لا تعني ارتفاع الصوت. والهدوء لا يعني الصمت. والشراكة لا تعني التخلي عن الموقف. والاختلاف حول السيادة لا يحول الشريك بالضرورة إلى خصم.

الصرامة الهادئة هي أن تعرف الدولة ما تريد، وأن تعبر عنه بوضوح، وأن تختار اللحظة المناسبة، وأن ترفض ما تعتبره مساساً بموقفها دون أن تحول كل خلاف إلى أزمة.

إنها قدرة على الجمع بين وضوح الغاية ومرونة الوسيلة. وهنا تلتقي المِيتيس بالكايروس.

الحوار ليس تنازلاً

 إن إحدى الأفكار التي ينبغي تفكيكها هي الاعتقاد بأن مجرد فتح الحوار حول السيادة يعني تنازل أحد الطرفين عن موقفه. إن التجربة الدولية تؤكد العكس تماماً. فالدول تتفاوض أحياناً عشرات السنين حول قضايا حدودية وترابية دون أن يعني جلوسها إلى طاولة واحدة اعتراف أحدها بموقف الآخر. والمثال الإسباني البريطاني في جبل طارق واضح في هذا الصدد.

الحوار لا يحسم النزاع مسبقاً. إنه يعترف بوجوده. وقد يكون الاعتراف بوجود الخلاف أكثر واقعية من التصرف كما لو أن الزمن ألغاه.

ولهذا فإن اقتراح آلية للحوار، من حيث المبدأ، لا يعني تحديد نتيجة الحوار سلفاً. إنه يعني فقط الانتقال من إدارة الصمت إلى إدارة الاختلاف.

 هل حان الكايروس؟

 هذا هو السؤال الأصعب. ولا يستطيع التحليل أن يجيب عنه نيابة عن الدولة. فالقرار الاستراتيجي يبنى على معطيات لا توجد كلها في المجال العام : توازنات القوى، حسابات التحالفات، المصالح الاقتصادية، التقديرات الأمنية، مواقف الشركاء، والقدرة على تحمل تكاليف التحرك.

لكن التحليل يستطيع رصد تغير البيئة. والبيئة تغيرت بالفعل. فقد عاد الملف إلى الخطاب الحكومي المغربي. وردت إسبانيا بتأكيد أكثر صراحة لموقفها السيادي. ودخل البرلمان الأوروبي على الخط بلغة «الحرب الهجينة» و«الوحدة الترابية» و«الحدود الخارجية للاتحاد». وظهرت مبادرات تسعى إلى إعادة الملف إلى فضاءات دولية. هذه الوقائع لا تعني بالضرورة أن اللحظة أصبحت لحظة مواجهة. بل قد تعني العكس تماماً. قد تكون لحظة إعادة بناء هادئة للموقف.

وهنا ينبغي التمييز بين الصبر الاستراتيجي والانتظار السلبي. الأول فعل. والثاني غياب للفعل.

الصبر الاستراتيجي يعني أنك تنتظر لأنك تعرف لماذا تنتظر، وما الذي تبنيه أثناء الانتظار، وما اللحظة التي ستجعلك تغير سلوكك.

أما الانتظار السلبي فهو أن يستمر الزمن بينما تتغير البيئة من حولك دون أن تتغير أدواتك.

 لا تغيير للأولويات – بل إعادة قراءة للزمن

 ليس المطلوب إعادة ترتيب الأولويات الوطنية بطريقة تجعل سبتة ومليلية تنافسان قضايا أخرى. فالاستراتيجية ليست لعبة محصلتها صفر. يمكن للدولة أن تدافع عن مصالح متعددة في الوقت نفسه، وأن تمنح كل ملف الأدوات والوتيرة التي تناسبه.

السؤال هنا يتعلق بشيء آخر : هل ما زالت إدارة ملف سبتة ومليلية بالدرجة نفسها من الحضور والوتيرة والأدوات التي استعملت خلال العقود الماضية هي الاختيار الأنسب في بيئة 2026 ؟

أم أن تغير الخطاب الإسباني والأوروبي، وعودة القضية إلى الخطاب المغربي، وظهور مبادرات باتجاه الفضاء الأممي، كلها مؤشرات تستحق إعادة تقييم أدوات الإدارة ؟

وهنا تعود المِيتيس إلى معناها الحقيقي. فالذكاء الاستراتيجي ليس هو التمسك بطريقة لأنها نجحت في الماضي. إنه القدرة على معرفة متى ينبغي الحفاظ عليها، ومتى ينبغي تعديلها.

 عود على بدء : عندما يصبح السؤال نفسه علامة على تغير الزمن 

 قد لا تكمن أهم نتيجة للتحولات الأخيرة في كونها قدمت جواباً جديداً عن قضية سبتة ومليلية.

قد تكمن أهميتها في أنها أعادت السؤال نفسه إلى المجال العام.

فبعد عقود كان فيها الملف حاضراً في الذاكرة أكثر من حضوره في النقاش السياسي اليومي، حيث أصبحنا نرى خلال فترة قصيرة خطاباً مغربياً يعيد تأكيد المطالب التاريخية، ورداً إسبانياً شديد الوضوح، وقراراً للبرلمان الأوروبي يستدعي الوحدة الترابية والحدود الأوروبية، وقراءة دبلوماسية مغربية تسعى إلى التهدئة، ومبادرة مدنية تحاول إعادة الملف إلى فضاء أممي.

إن  تزامن هذه العناصر لا يثبت أنها أجزاء من استراتيجية واحدة. لكنه يجعل تجاهلها مجتمعة أمراً صعباً.

ومن هنا يصبح السؤال : هل «الصرامة الهادئة» بدأت تتشكل بالفعل، ولكن عبر أصوات وأدوات متفرقة، أم أنها تحتاج إلى الانتقال من تزامن المبادرات إلى تناسق الرؤية؟

ربما يكون هذا هو الكايروس الحقيقي. ليس لحظة اندفاع. ولا لحظة مواجهة. بل لحظة إدراك أن الزمن نفسه أصبح عنصراً من عناصر القضية.

فإذا كان الجواب أن اللحظة لم تنضج بعد، فإن استمرار الصبر الاستراتيجي يحتاج إلى منطقه ورؤيته وأدواته. وإذا كان التقدير أنها بدأت تنضج، فإن التحرك لا يحتاج بالضرورة إلى ضجيج. إنه يحتاج إلى وضوح وتناسق وقدرة على بناء البدائل.

وهنا يفتح السؤال باب المقال الثالث : هل يستطيع المغرب أن يحول تعدد شراكاته وهوامش حركته إلى بنية قوة تجعل «الصرامة الهادئة» أكثر من مجرد خطاب دبلوماسي؟