الدكتور محمد محاسن
حدود يطالب المغرب بحمايتها ولا يعترف بها
وهنا تظهر واحدة من أكبر مفارقات الملف. فإذا كان الاتحاد الأوروبي يعتبر سبتة جزءاً من حدوده الخارجية، وإذا كان يطالب المغرب بالمساهمة بصورة فعالة في منع تدفقات الهجرة غير النظامية عبرها، فإن سؤالاً بسيطاً يفرض نفسه: عن أي حدود نتحدث؟
لقد عبّر المغرب رسمياً عن رفضه توصيف خطوط الفصل عند سبتة ومليلية باعتبارها «حدوداً برية» مغربية إسبانية، انطلاقاً من موقفه من السيادة على المدينتين. وهنا تظهر مفارقة يصعب تجاهلها:
كيف يمكن مطالبة دولة بأن تتحمل مسؤولية حماية حدود باعتبارها حدوداً دولية، بينما هي لا تعترف أصلاً بالوضع السيادي الذي أنشأ تلك الحدود؟
تستطيع إسبانيا، بطبيعة الحال، الدفاع عن تصورها القانوني والسياسي للوضع القائم، كما يستطيع الاتحاد الأوروبي إدارة حدوده الخارجية وفق منظومته القانونية. لكن تحميل المغرب مسؤولية متزايدة عن حماية ذلك الوضع يطرح سؤالاً أعمق:
إذا أصبحت وضعية سبتة ومليلية مصدراً متكرراً لأزمات الهجرة والتوترات الأمنية والدبلوماسية، أفلا يكون من الأجدى التفكير أيضاً في أصل الإشكال بدل الاكتفاء بإدارة نتائجه؟
لماذا لا يصبح الحوار حول أصل الإشكال جزءاً من الحل؟
إذا كان البرلمان الأوروبي يعتبر الوضع خطراً على الأمن الأوروبي، لكان من الممكن، إلى جانب المطالبة بتشديد المراقبة والتعاون، تشجيع الرباط ومدريد على فتح حوار هادئ حول مختلف القضايا المرتبطة بالمدينتين والثغور، بما فيها وضعهما ومستقبل العلاقات حولهما.
قد لا يعني ذلك أن تغيير وضع سبتة ومليلية سيقضي آلياً على الهجرة غير النظامية نحو أوروبا لأن الهجرة تبقى ظاهرة أكثر تعقيداً، تحركها عوامل اقتصادية واجتماعية وديمغرافية وجيوسياسية تتجاوز المدينتين بكثير.
لكن تسوية وضعهما، إذا توصل إليها الطرفان يوماً عبر الحوار والتفاوض، يمكن أن تعيد تعريف المسؤولية الحدودية بصورة جوهرية.
عندئذ لن يعود السؤال متعلقاً بمن يتحمل مسؤولية حماية «حدود إسبانية» موجودة في إفريقيا، بل سيصبح المغرب مسؤولاً بصورة واضحة وكاملة عن حماية حدوده الشمالية في إطار سيادته، وستنتقل علاقته بالاتحاد الأوروبي في مجال الهجرة من إشكالية حماية وضع ترابي مختلف عليه إلى تعاون طبيعي بين ضفتين تفصل بينهما حدود بحرية متفق عليها.
ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى الحوار حول سبتة ومليلية بوصفه جزءاً من تصور أوسع لأمن غرب المتوسط، وليس فقط نزاعاً تاريخياً يترك مجمداً إلى أجل غير مسمى. فإدارة الأزمة ليست بالضرورة حلاً لأسبابها.
مفارقة شنغن
تزداد المفارقة وضوحاً عندما يدخل فضاء شنغن في المعادلة. فالمغرب ليس عضواً في الاتحاد الأوروبي ولا في فضاء شنغن، ولم يطلب أن تصبح مناطق يطالب بها جزءاً من المجال الأوروبي. ومع ذلك يجد نفسه مطالباً بالمساهمة بصورة حاسمة في حماية حدود خارجية للاتحاد الأوروبي تقع جغرافياً في القارة الإفريقية، بينما يرفض في الوقت نفسه الأساس السيادي الذي يجعلها، من المنظور الإسباني والأوروبي، حدوداً خارجية للاتحاد. وهذه ليست مجرد مفارقة لغوية. إنها إحدى العقد الجيوستراتيجية الأساسية في الملف كله. ومن ثم فإن السؤال الذي ينبغي طرحه على المؤسسات الأوروبية ليس فقط: لماذا تحملون المغرب المسؤولية؟ بل أيضاً: إلى متى تريد أوروبا من المغرب أن يتحمل جزءاً أساسياً من كلفة حماية وضع حدودي لم يشارك في إنشائه، ولا يعترف بأساسه السيادي، ولا يزال يتمسك بموقف مغاير بشأنه؟
إن معالجة النتائج الأمنية دون الاقتراب من أسباب الخلاف قد تؤجل الأزمة، لكنها لا تلغي احتمال تكرارها.
عندما تصبح «الوحدة الترابية» جزءاً من المعادلة
يفتح قرار البرلمان الأوروبي باباً أكثر حساسية عندما يستدعي مبدأ الوحدة الترابية. فالوحدة الترابية مبدأ جوهري في العلاقات الدولية، ومن الطبيعي أن تتضامن المؤسسات الأوروبية مع دولة عضو عندما ترى أن سلامة أراضيها مهددة.
لكن استدعاء هذا المبدأ ينبغي أن يدفع أيضاً إلى سؤال أوسع: هل تستعمل المبادئ بالطريقة نفسها عندما تتغير الجغرافيا والأطراف والمصالح؟
فالأمر لا يتعلق بالمقارنة الميكانيكية بين نزاعات تختلف في تاريخها وأسسها القانونية ومرجعياتها الدولية. إنما يتعلق الأمر بمسألة أكثر جوهرية: اتساق المبادئ.
فإذا كانت الوحدة الترابية مبدأً قانونياً عاماً، فلا ينبغي أن تتحول إلى مفهوم تتغير قوته ودلالته تبعاً لهوية الدولة المعنية أو موقعها داخل الاتحاد الأوروبي أو خارجه.
وهنا سيكون من المفيد أن يوضح الخطاب الأوروبي أين ينتهي التضامن السياسي المشروع مع دولة عضو، وأين يبدأ اتخاذ موقف بشأن قضية سيادية وتاريخية بينها وبين دولة شريكة. فالخلط بين المستويين قد يجعل المبدأ نفسه عرضة للتوظيف السياسي.
من التضامن إلى الاصطفاف؟
إن المغرب والاتحاد الأوروبي ليسا طرفين غريبين عن بعضهما. بل تجمعهما شراكة ممتدة تشمل الاقتصاد والتجارة والأمن ومكافحة الإرهاب والهجرة والطاقة والاستقرار في غرب المتوسط والساحل. ولهذا فإن لغة العلاقات بين الشركاء ليست مسألة شكلية.
فالشراكة الاستراتيجية تفترض إمكان الاختلاف، لكنها تفترض أيضاً عدم تحويل اختلاف مع أحد الشركاء إلى إدانة سياسية مسبقة لموقفه.
وهنا يطرح القرار سؤالاً آخر: هل انتقل البرلمان الأوروبي من التضامن المشروع مع دولة عضو إلى الاصطفاف مع تصورها الكامل لمسألة السيادة؟
إن كان المقصود حماية إسبانيا من تدفقات غير نظامية، فذلك مفهوم في إطار التضامن الأوروبي. أما إذا أصبح المطلوب من المغرب أن يقبل أيضاً بالتصور الإسباني للسيادة باعتباره شرطاً ضمنياً لحسن الشراكة، فإننا نكون أمام مسألة مختلفة تماماً. فالشراكة لا تعني التطابق. ولا ينبغي أن تعني مطالبة أحد الطرفين بالتخلي عن موقف تاريخي حتى يثبت أهليته للشراكة.