آخر الأخبار

حين يصبح السؤال علامة ووعاء التواصل محفوظا

حين يصبح السؤال علامة ووعاء التواصل محفوظا
(قراءة سيميائية في خطاب رئيس حكومة أسبق حول سبتة ومليلية السليبتين )

مصطفى المنوزي 

ليست كل الأسئلة متساوية في السياسة، فقد يكون السؤال طلباً للمعلومة، وقد يكون موقفاً، وقد يتحول، بسبب هوية السائل وطبيعة المخاطَب ومكان التلفظ وطريقته، إلى فعل سياسي قائم بذاته.
ومن هذه الزاوية يستحق السؤال الذي وجهه رئيس الحكومة الأسبق والأمين العام لحزب العدالة والتنمية إلى الملك حول «ما يجري في مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين» قراءة تتجاوز مضمونه المباشر. فالقضية ليست فقط: ماذا يجري في سبتة ومليلية؟ وإنما أيضاً: لماذا اختار السائل أن يسأل بهذه الطريقة؟ ولماذا وجه السؤال إلى الملك؟ ولماذا جعله سؤالاً عمومياً؟ وماذا تفعل طريقة تدبيره لخرجاته الإعلامية بمعنى السؤال نفسه؟
هذه الأسئلة لا تسمح لنا بمعرفة النيات الباطنة، ولا خلفيات ما يجري داخل دوائر القرار، ولكنها تسمح بتحليل العلامات التي اختار الفاعل السياسي نفسه وضعها في المجال العمومي.
1. المتكلم ليس شخصاً واحداً :
أولى العلامات هي هوية السائل المركبة ، فهو يتكلم في اللحظة نفسها من ثلاثة مواقع على الأقل: مواطن مغربي من حقه السؤال عن قضية وطنية؛ وأمين عام حزب سياسي يملك وظيفة في التأطير والتعبير عن المواقف؛ ورئيس حكومة أسبق عرف من الداخل آليات الدولة وقنوات التواصل مع المؤسسة الملكية.
وهذه المواقع لا تتطابق ؛ فعندما يتحدث المواطن تكون الحرية هي الأصل. وعندما يتحدث الأمين العام يصبح القول جزءاً من الفعل الحزبي. أما عندما يتحدث رئيس حكومة أسبق في قضية سيادية، فإن ذاكرة الموقع السابق ترافق كلامه حتى وإن لم يعد يمارس السلطة “” فعليا “” .
ومن هنا تظهر أولى مشكلات التلفظ السياسي: بأية صفة يتكلم؟
إن لم يحدد المتكلم موقع التلفظ صراحة، تولى الجمهور تحديده نيابة عنه ، فيقرأ البعض كلام المواطن، ويقرأ آخرون موقف زعيم المعارضة، بينما يستمع آخرون إلى رئيس الحكومة الأسبق الذي يفترضون أنه يعرف عن الدولة أكثر مما يقوله او يبوح به ؛
وهكذا يصبح غموض الصفة منتجاً لفائض المعنى.

2. «ما يجري»: عبارة صغيرة تفتح مساحة كبيرة للتأويل :
وهنا يستحق تركيب السؤال نفسه الانتباه ؛ فالقول: «ما يجري في مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين» لا يحدد الواقعة المقصودة تحديداً كاملاً ، وعبارة «ما يجري» علامة مفتوحةو توحي بأن هناك شيئاً يستحق السؤال، لكنها لا تقول بالضرورة ما هو ، وبهذا تنتقل إلى المتلقي مهمة ملء الفراغ ؛ وهنا تعمل السيميائيات السياسية بكامل قوتها: المسكوت عنه قد ينتج أحياناً دلالات أكثر من المنطوق به.فكل متلق يمكن أن يضع داخل «ما يجري» مخاوفه ومعلوماته وتسريباته وتأويلاته. ولذلك قد يتحول نقص التحديد إلى تضخم في الدلالة.
فنحن، إذن، لسنا أمام استفهام معلوماتي بسيط، وإنما أمام تركيب لغوي يستدعي قضية سيادية قبل أن يقدم تفاصيل الواقعة التي يسأل عنها.

3. المخاطَب جزء من معنى السؤال :
كان يمكن للسؤال أن يوجه إلى الحكومة أو وزارة الخارجية أو البرلمان أو الرأي العام. لكن اختيار الملك مخاطَباً مباشراً يغيّر بنيته الدلالية ، فالمخاطَب هنا ليس مجرد شخص يُنتظر أن يمتلك المعلومة؛ إنه رأس الدولة، والقائد الأعلى للقوات المسلحة الملكية، ورمز وحدة الأمة وضامن دوام الدولة واستمرارها حسبما هو مثبت في البناء الدستوري. ولهذا فإن توجيه سؤال سيادي إليه يحمل السؤال من المجال الحزبي العادي إلى مستوى رمزي ومؤسساتي أعلى ؛ لكن المفارقة تبدأ عندما يكون المخاطَب ملكياً بينما قناة الخطاب الإستفهامي إعلامية.
فالرسالة موجهة لغوياً إلى شخص، لكنها تؤدى أمام جمهور واسع ؛
وهنا ينبغي التمييز بين المخاطَب والمتلقي. فالمخاطَب المعلن هو الملك، أما المتلقون الفعليون فهم أيضاً أعضاء الحزب، والرأي العام، والفاعلون السياسيون، والإعلام، وربما المؤسسات والوسطاء المحيطون بمركز القرار. وإن هذه الازدواجية جوهرية لفهم الخروج الإعلامي.

4. السؤال المباشر والرسالة غير المباشرة
عندما يقول مسؤول سابق رفيع المستوى علناً إنه سأل الملك وينتظر جواباً، فإن السؤال يؤدي وظيفتين : فالوظيفة الأولى ظاهرة وهي طلب معرفة أو توضيح ، أما الثانية فهي تداولية: ألا وهي إعلام الجمهور بأن سؤالاً قد وُجّه وأن جواباً أصبح منتظراً.
وهنا يتحول الجمهور من متلقٍ إلى شاهد على عملية التواصل.
وهذه نقطة دقيقة في تدبير الخرجات الإعلامية. فبدلاً من أن تبقى العلاقة بين سائل و مخاطَب ، تصير بين سائل ومخاطَب، بحضور جمهور شاهد وتحت معاينته وترقباته !
وهذا الحضور يغير طبيعة الفعل؛ لأن عدم الجواب يصبح بدوره قابلاً للتأويل ، فالسائل لا ينتج فقط «سؤالاً»، بل ينتج أيضاً انتظاراً ، وكلما كرر السؤال أو ذكّر به أو أعلن أنه ما زال ينتظر، تحول الانتظار نفسه إلى مادة سياسية للإستفهام أو الإستهلاك وليس فقط للاكتساب أو الإستقطاب .

5. تدبير الخرجات: سياسة الحضور المتقطع :
هنا ربما توجد النقطة الأكثر خصوبة في التحليل ؛ فالخرجات الإعلامية المتتابعة لفاعل سياسي لا ينبغي أن تقرأ كل واحدة منها منعزلة عن الأخرى، بل بوصفها سلسلة علامات. فالفاعل السياسي قد لا يحتاج إلى خطاب طويل أو برنامج تفصيلي في كل مرة ، فيكفي أحياناً أن يطلق عبارة قابلة للتداول، ثم يترك المجال الإعلامي والاجتماعي يضاعفها بالتعليق والاعتراض والتأييد. ؛ و
بهذا المعنى يصبح الاقتصاد في القول وسيلة لإنتاج فائض التداول ، حيث يقول المتكلم أقل، ويتولى الآخرون إنتاج الباقي.
لكن لهذه التقنية ثمناً ، فكلما انخفض مقدار المعلومة وارتفعت حساسية الموضوع، اتسعت مساحة التخمين ؛ وفي القضايا السيادية خصوصاً، قد ينتقل الخطاب بسرعة من صناعة السؤال إلى صناعة الغموض، ومن إثارة الانتباه المشروع إلى إنتاج سرديات لا يملك صاحب السؤال نفسه السيطرة عليها.

6. هل نحن أمام أزمة اتصال أم استراتيجية تواصل؟
هنا ينبغي تعديل الفرضية السابقة ؛ فلم يعد ممكناً أن نستنتج من الخروج الإعلامي وحده أن قنوات التواصل مع الملك انقطعت ، لأن المتكلم ليس رئيس حكومة أسبق فقط؛ إنه أيضاً أمين عام حزب يمارس السياسة في الحاضر ومقبل على المشاركة في استحقاقات وانتخابات تشريعية ؛ وبالتالي يمكن أن تكون العلنية دليلاً على تعثر قناة خاصة، ولكن يمكن كذلك أن تكون اختياراً واعياً في استراتيجية التواصل الحزبي والسياسي. وهنا يبدو ان الفرق كبير : في الحالة الأولى يكون الإعلام بديلاً عن قناة تعطلت ، وفي الثانية يكون الإعلام هو القناة المختارة أصلاً، لأن السؤال لا يراد له فقط أن يصل إلى المخاطَب، وإنما يراد أيضاً أن يعرف الجمهور أنه طُرح او رفع ؛ ولا تتوافر لدينا المعطيات التي تسمح بالجزم بأحد الاحتمالين.
وإن هذا الاحتراز ضروري، خصوصاً عندما يتعلق الموضوع بما وصفناه بالمجال المحفوظ.

7. المجال المحفوظ ومفارقة السؤال المفتوح :
إذا كانت القضية تتعلق بسبتة ومليلية وبأبعاد سيادية أو دبلوماسية أو أمنية محتملة، فإننا ندخل مجالاً لا تكون فيه كل المعلومات قابلة للنشر الفوري. وهنا تظهر مفارقة:السؤال مفتوح، لكن موضوعه قد يكون جزئياً محفوظاً ؛ وقد يستطيع المسؤول أن يجيب، لكنه لا يستطيع أن يقول كل ما يعرف؛ وقد يكون الصمت نفسه جزءً من تدبير قضية ما، كما يمكن أن يكون نتيجة غياب قرار تواصلي واضح. والحقيقة غائبة ، فنحن لا نعرف.
وهذه الـ«لا نعرف» ليست ضعفاً في التحليل، بل شرطاً لسلامته.
فكل قول في القضايا السيادية التزام، والجواب الملكي ـ إن حصل وبالصيغة التي يتصورها السائل ـ لن يكون بالضرورة مجرد رد شخصي على سؤال شخصي ، فقد يكتسب معنى سياسياً ودبلوماسياً ومؤسساتياً يتجاوز طرفي عملية التخاطب ، ولذلك يحتاج مثل هذا الحوار إلى وعاء يناسب ثقله.

8. الصمت أيضاً علامة، لكنه علامة متعددة المعاني :
في السيميائيات لا يعني غياب القول غياب الدلالة ، لكن الخطأ هو إعطاء الصمت معنى واحداً ؛ فعدم وجود جواب علني قد يعني عدم الرغبة في الجواب، وقد يعني اختيار قناة أخرى، أو انتظار ظرف مناسب، أو أن القضية لا تحتمل جواباً علنياً، أو ببساطة أن السؤال لم يعالج بالطريقة التي يتوقعها صاحبه. لذلك لا يجوز تحويل: «لم يظهر جواب» إلى: «رُفض الجواب». وبالمقابل، عندما يكرر السائل علناً انتظاره للجواب، فإنه يعمل سيميائياً على تثبيت الصمت بوصفه واقعة ، وهنا تظهر قوة الخروج الإعلامي وملامح خطورته في الوقت نفسه: إنه يستطيع تحويل ما كان غير مرئي إلى علامة سياسية قابلة للنقاش.

9. من أمن المعلومة إلى أمن التواصل :
وتعيدنا الواقعة إلى إشكال مؤسساتي أوسع.لقد ظل النقاش الأمني تقليدياً منشغلاً بحماية المعلومة: ما الذي ينبغي حجبه؟ ومن يحق له الاطلاع؟ وما أسرار الدفاع الوطني والمعطيات الاستراتيجية التي يجب ألا تصل إلى المجال العمومي؟
لكن الوجه الآخر لا يقل أهمية: كيف نضمن وصول السؤال والمعلومة والتنبيه إلى من ينبغي أن تصل إليه؟
أمن المعلومة يمنع وصولها إلى غير المخول له ، أما أمن التواصل فيضمن ألا تمنع الحواجز والوسائط والبيروقراطية المعلومات الضرورية من الوصول إلى صاحب القرار ، وبين الإفشاء والحجب ينبغي بناء الحوكمة.

10. الحاجة إلى مأسسة التواصل السيادي :
من هنا يتجدد مطلب مأسسة التواصل في القضايا الاستراتيجية ،
فمن بين المؤسسات التي يثير عدم تفعيلها الكامل سؤالاً في هذا السياق “” المجلس الأعلى للأمن “” المنصوص عليه في الفصل 54 من الدستور ، باعتباره إطاراً تمت دسترته للتشاور بشأن الاستراتيجيات الداخلية والخارجية للبلاد وتدبير حالات الأزمات والسهر على مأسسة ضوابط الحكامة الأمنية الجيدة ؛ ولا يعني ذلك إطلاقاً تحويله إلى منبر لكشف أسرار الدفاع الوطني أو المعطيات الاستخباراتية أو الأمنية البالغة الحساسية ، فالمطلوب هو العكس: إنشاء الوعاء المؤسسي الذي يسمح بالتشاور من دون إفشاء، وبالمعرفة من دون تعريض الأمن للخطر، وبالاختلاف من دون نقل كل قضية سيادية إلى المنابر الإعلامية ؛ وإن البديل عن السرية المطلقة ليس الشفافية المطلقة، وإنما السرية المحكومة؛ والبديل عن القرار المغلق ليس القرار المكشوف، وإنما التشاور المؤسسي المسؤول.

11. مسؤولية السائل أيضاً :
لكن مأسسة التواصل لا تعفي الفاعل السياسي من مسؤوليته.
فرئيس الحكومة الأسبق يعرف، بحكم تجربته، أن بعض الأسئلة السيادية لا تحتمل المنطق نفسه الذي تدار به المزايدة الحزبية أو التعبئة الانتخابية. والأمين العام للحزب يعرف في المقابل أن من واجبه مساءلة السلطة والتعبير عن انشغالات المواطنين.
وهو يتحرك، إذن، بين موقعين: رجل الدولة السابق والمعارض السياسي الحالي. ؛ وقد تكون القيمة السيميائية الكبرى لخرجته موجودة تحديداً في هذا التوتر. فكلما استدعى صفة رجل الدولة ازدادت الثقة المفترضة في أن وراء سؤاله معرفة أو قرائن؛ وكلما مارس وظيفة الزعيم الحزبي أصبح السؤال جزءً من المنافسة السياسية ، ومن هنا تنشأ مسؤولية خاصة: ألا يسمح لرأسمال المعرفة المفترض لرجل الدولة السابق بأن يتحول إلى إيحاء سياسي لا يستطيع الجمهور التحقق من أساسه ، فإذا كان يعرف شيئاً لا يستطيع قوله بسبب مقتضيات الدولة، فإن الإيحاء أو التلميح به يطرح مشكلة. وأما إذا لم يكن يملك معطيات خاصة، فإن صياغة السؤال بطريقة توحي بوجودها قد تنتج فائضاً من التأويل.

من سياسة الإيحاء إلى أخلاق السؤال :
لعل السؤال الأعمق الذي تطرحه الواقعة ليس: ماذا يعرف رئيس الحكومة الأسبق عن سبتة ومليلية؟ ولا: لماذا لم يجبه الملك؟
فنحن لا نملك المعطيات الكافية للإجابة عن السؤالين. ، تظل الجدوى هو ما تكشفه الواقعة عن سياسة التواصل في الدولة وعن أخلاق السؤال في المجال السيادي.
فطريقة إدارة الخروج الإعلامي ليست مجرد غلاف للقول؛ إنها جزء من القول نفسه. اختيار الكلمات، وتحديد المخاطَب، وترك بعض العناصر معلقة، وإعلان انتظار الجواب، ثم إدارة الصمت الذي يلي ذلك، كلها علامات تشارك في صناعة المعنى السياسي.
وهنا يلتقي حق السؤال بمسؤولية السؤال. فكلما ارتفع موقع السائل، وكلما ازدادت حساسية الموضوع، وارتفعت معه كلفة الإيحاء والغموض، لأن كل قول التزام، وكل صمت قابل للتأويل، وكل فراغ معلوماتي مرشح لأن تملأه السرديات المتنافسة ؛ولذلك لا ينبغي أن يكون البديل هو إسكات السؤال، وإنما إيجاد وعائه المناسب ، لأن القضايا السيادية لا ينبغي أن تصبح حكراً على دائرة مغلقة لا تسأل ولا تُسأل، كما لا ينبغي أن تتحول إلى مادة لاقتصاد الانتباه الإعلامي الذي يكافئ العبارة الأكثر إثارة لا المعلومة الأكثر دقة. إننا ، بين المجال المحفوظ والمجال العمومي، نحتاج إلى مجال مؤسساتي وسيط: تُطرح داخله الأسئلة التي ينبغي طرحها، وتصل المعلومات إلى من ينبغي أن تصل إليه، وتحمى الأسرار التي يجب حمايتها، ويظل القرار السيادي قابلاً للتشاور والتقييم في الحدود التي يسمح بها الدستور ومقتضيات الأمن الوطني ، وعندئذ يمكن قلب السؤال الذي أثار الواقعة: بدلاً من أن نسأل فقط «ما الذي يجري في سبتة ومليلية؟»، يصبح من المشروع أيضاً أن نسأل: ما الذي يجري في منظومة التواصل نفسها، حين يختار رئيس حكومة أسبق وأمين عام حزب سياسي أن يجعل من سؤال سيادي موجّه إلى الملك حدثاً إعلامياً مفتوحاً؟
ربما تكمن العلامة السياسية الأهم هنا: السؤال لا يخبرنا فقط عن موضوعه؛ إنه يخبرنا أيضاً عن السائل، وعن موقعه الجديد، وعن علاقته المفترضة بالقنوات، وعن الطريقة التي يريد بها أن يراه الجمهور وهو يسأل ؛ وهنا تبدأ السيميائيات السياسية الحقيقية ، لا عند البحث عما يخفيه الفاعل في داخله، وهو ما لا نملكه، بل عند تحليل ما اختار أن يُظهره، وكيف أظهره، ولمن أظهره، وما الآثار التي ينتجها هذا الإظهار في المجال العمومي.