آخر الأخبار

حوكمة لايقين الصدارة أو ضبط المجال لا صناعة النتيجة

مصطفى المنوزي

لقد سبق واشرنا في تحليلات سابقة إلى اطروحة فوبيا اللايقين التي تؤرق الدولة والمراقبين والأحزاب نفسها ؛ ووصلنا إلى استنتاج قوي ، بأنه رغم أن ملامح المشهد الانتخابي تبدو شبه مطمئنة من زاوية هاجس الاستقرار، فإن فوبيا اللايقين لا تزال تتطاوس في الأجواء؛ فكلما اقترب الاقتراع، برز التوتر الكامن بين مطلب الاستقرار وبين جوهر الانتخابات باعتبارها عملية لا تكون ديمقراطية تمامًا إلا بقدر ما تظل نتائجها غير مضمونة سلفًا ؛ فمن هنا تتشكل المفارقة ، فما تعتبره الديمقراطية شرطًا لحريتها — أي إمكان المفاجأة والتداول وتغير موازين التمثيل — قد يراه منطق الضبط مصدرًا للمخاطر ينبغي احتواؤه؛ ولذلك لا يتعلق الرهان بإلغاء اللايقين، بل بامتلاك القدرة المؤسسية على تدبيره؛ لأن الديمقراطية التي تخشى مفاجآت صناديقها تخاطر بأن تستبدل حوكمة اللايقين بأمننة النتيجة الانتخابية .
وعلى إثر الإعلان عن النتائج الرسمية لاقتراع 23 شتنبر 2026 من قبل وزير الداخلية غير المنتخب ضمن الحكومة ؛ يتأكد بأن نفس الخريطة تكرست مع تغيير طفيف فيما يخص الصدارة ، وذلك بمثابة تناوب بين التوأمين ، بحلول الجرار محل الحمامة ؛ في حين حصل المصباح على 41 مقعد إضافي بعد 13 في الولاية الخارجة ، وهو مؤشر على استرداد العافية والمبادرة ، داخل المشهد السياسي ، ليكون المجموع هو 54 مقعدا ، كاف للملة الجراح التنظيمية والوقع السيكوبوجي الانختابي ، وبمثابة فرصة لاسترجاع الثقة وجبر خواطر العاطفين والأنصار من المواطنين والدعويين ، وكذا الحلفاء على امتداد البلاد والأمة ، وفق مفهوم الحزب نفسه وأدرعه . كما يتأكد الاستنتاج في ضوء ما جرى بأن الانتخابات لم تعد مجرد تقنية لاختيار ممثلين؛ إنها أيضًا لحظة يقبل فيها النظام السياسي بقدر من المخاطرة؛ ففي المعزل ينفرد الناخب باختياره، وتظل النتيجة مجهولة إلى أن تفتح الصناديق. وهذه المسافة هي ما يمكن تسميته «لايقين المعزل» ؛ فير أن السؤال في الحالة المغربية ليس وجود اللايقين من عدمه، بل مقداره وحدوده وكيفية تدبيره ؛ ومن هنا نقترح مفهوم «حوكمة لايقين الصدارة»: ليس بمعنى وجود هندسة مسبقة تحدد الفائز وعدد المقاعد، وإنما بمعنى وجود كوابح وضوابط وآليات للتوجيه والتأطير تجعل المنافسة مفتوحة، ولكن داخل مجال سياسي قابل للاستيعاب ؛ وبعبارة أوضح: ضبط المجال لا صناعة النتيجة.
ويفيدنا هنا التفكير المركب عند إدغار موران؛ فالنسق المعقد لا يعيش بالنظام الخالص ولا بالفوضى الخالصة، وإنما من التفاعل بين النظام واللانظام وإعادة التنظيم. وبهذا المعنى لا يحتاج النسق السياسي إلى إلغاء اللايقين الانتخابي؛ فقد تكون قدرته كامنة، على العكس، في استيعاب جرعة من اللايقين وإعادة تنظيم آثارها ، كما تسمح مقاربة وليام زارتمان للصراع والتفاوض بإضافة البعد الزمني والاستراتيجي: فالفاعلون لا يتحركون داخل بنية ثابتة فقط، بل يقرأون موازين القوة واللحظات والفرص، ويعدلون مواقعهم عندما تصبح شروط التسوية أو التكيف شبه مواتية. وبالاستئناس بهذه المقاربة، ويمكن فهم حوكمة اللايقين باعتبارها إدارة متحركة للسياق وليست مخططًا جامدًا سابقًا عليه ؛ وهنا تظهر مفارقة التعددية المغربية ؛ فهناك تعدد في الأحزاب واللوائح والتمثيل، لكنه لا يعني بالضرورة الدرجة نفسها من التعددية الفكرية في البدائل القابلة للحكم ، فمحدودية الوزن الانتخابي لما تبقى من قوى اليسار والحركة التقدمية تجعل مجال المنافسة الفعلية على الصدارة أضيق من مجال التمثيل الحزبي العام، مع ضرورة احتساب مسؤولية هذه القوى نفسها عن أزماتها التنظيمية والاجتماعية والخطابية.
ولعل أحد أهم عناصر خفض اللايقين هو قابلية كل تلك الأحزاب المتصدرة للاشتغال داخل قواعد اللعبة وقبول نتائجها على علّاتها، وإبداء المرونة، بحسب السياق والظرفية، إزاء ما يُقدَّم باعتباره مقتضيات «المصلحة العليا للبلاد»، وهكذا قد يكون التنافس شديدًا على الصدارة، من دون أن يتحول بالضرورة إلى تنازع بالحدة نفسها على قواعد تدبير المجال.
وهنا نصل إلى المفارقة المركزية ،أي لايقين في هوية المتصدر، مقابل يقين نسبي في المجال الذي يمكن أن يأتي منه المتصدر؛
وتزداد حساسية الصدارة بالنظر إلى الأثر الدستوري المرتبط بها في تعيين رئيس الحكومة؛ بعد أن يقول المعزل كلمته تبدأ مرحلة أخرى : التحالفات، وتكوين الأغلبية، والتعيينات، وتوزيع وتشطير المسؤولية؛ أي ما يمكن تسميته «استرداد المبادرة بعد لايقين المعزل».
ولا يقتصر ضبط اليقين على رئاسة الحكومة. ففي الممارسة السياسية المغربية تحضر أيضًا، إلى جانب المنطق الحزبي، شخصيات ذات مسارات تكنوقراطية ومؤسساتية قوية في بعض المواقع التي توصف سياسيًا بـ«السيادية». ويمكن، بلغة القانوس السوسيولوجي، وصف جزء من هذه النخب بأنها من أبناء «دار الدولة»: نخب راكمت رأسمالها الرمزي والمعرفي أساسًا داخل مؤسسات الدولة أكثر منه داخل المنافسة الحزبية. ؛ وهنا يمكن قراءة الظاهرة باعتبارها إحدى آليات استمرارية الدولة وتقليص مخاطر التداول، دون أن يعني ذلك الحكم مسبقًا على دوافع كل تعيين على حدة ؛ ولذلك ربما يحتاج مفهوم «أمننة النتيجة والأثر الانتخابيين » نفسه إلى تعديل ؛ فالأدق هو الحديث عن «أمننة مجال الممكن»: ليس إلغاء المفاجأة الانتخابية، وإنما إبقاء آثارها ضمن حدود يستطيع النسق استيعابها ، لتصبح الدورة كالتالي:
تأطير الممكن قبل الاقتراع .. لايقين المعزل .. استرداد المبادرة بعد النتيجة.
ومن المفكر إدعار موران يمكن استعارة فكرة أن النسق يستمر عبر التفاعل بين النظام واللانظام وإعادة التنظيم؛ ومن زارتمان أن إدارة الصراع مرتبطة أيضًا بتوقيت الفرص وإدراك الفاعلين لموازين القوة وإمكان التسوية ؛ أما في حالتنا، فالسؤال الذي يستحق البحث هو هل تتمثل قوة النسق في إلغاء اللايقين، أم في إبقائه دون العتبة التي يتحول عندها من تنافس على تدبير الشأن الحكومي إلى تنازع على قواعد المجال؟
وهكذا لا يعود المعيار الديمقراطي مجرد كثرة الأحزاب، بل مقدار اللايقين الذي يستطيع النظام قبوله، ومدى قدرة الاختلاف الفكري والسياسي على الانتقال من حق التمثيل إلى إمكان الصدارة والحكم ؛ لأن الخلاصة ، في إطار التنسيب ، ليست أن النتيجة معلومة بالضرورة سلفًا، بل أدق من ذلك: قد يبقى المتصدر مجهولًا، بينما يظل مجال الصدارة قابلًا للتأطير؛ وقد يكون التنافس حقيقيًا على من يحكم، من دون أن يكون بالدرجة نفسها على قواعد المجال الذي يجري داخله الحكم.