إدريس الأندلسي
أتذكر ردود فعلنا كأطفال يقبلون على مشاهدة الأفلام التي تقدمها سينما مرحبا بباب تاغزوت قرب مدخل حومة الزاوية العباسية المراكشية. كنا نعبر عن غضب كبير يقع عطب في غرفة إرسال أشعة الفيلم على الشاشة التي كان يشرف عليها إنسان ودود كان يسمى فريد. و حين تتكرر الاعطاب الفنية ، يقرر أبناء الحي مقاطعة قاعة السينما في حينا و نلجأ إلى القاعات السينمائية التي كانت تحيط بحينا، و كم كانت كثيرة، و جميلة. و كانت اقربها لباب تاغزوت، هي سينما الفتح القريبة من قصر الباشا لكلاوي و القريبة من اعرق حومات المدينة الحمراء.
كانت مقاطعتنا لسينما حينا تستمر لأيام إلى أن تتم برمجة افلام ،لم نكن نعرف أنها كانت تقدم لنا مراحل و حكايات مستقاة من كتاب العهد القديم. و التي أعيد انتاجها بمدينة السينما بوارزازات . و لهذا حاولت ان اربط بين تصور للمقدس بإخراج سينمائي، و فعل سياسي ينتمي إلى حاضرنا ليلة إنتخابات تهم مجلس النواب الذي ستنتج عنه حكومة بوزراء لهم سلطات تعيين مديرين مركزيين و جهويين و حتى مسؤولين على مؤسسات و مقاولات عمومية. و قد ينتج عن هذه الانتخابات تعيين رؤساء و أمناء عاميين لما أصبح يسمى لدينا بمؤسسات الحكامة. و توالت الأعوام لتصبح هذه المجالس ذات صوت تزيد درجات حضوره كل يوم. و ذات قرار يضعف كل يوم، كما حصل لمجالس المنافسة و حقوق الانسان و محاربة الرشوة. و هناك من لا زال يحارب بنك المغرب و المندوبية السامية للتخطيط. سيظل الخط التحريري لهذه الحكومة هو اضعافها لكل مؤسسات الحكامة التي وضعها الدستور لإنقاذ بلادنا من الزيغ عن مسار استراتيجي يتمسك به ملك البلاد.
أمام ما يتنظرنا ليلة الانتخابات، يساورني شك كبير في إمكانية هذه المحطة السياسية أن تحدث التغيير الذي ينتظره كل المغاربة. يسكنني هاجس الخوف من المشاركة في إنتخابات اعتبرها مسرحية تتجاوز إمكانياتي في التعبير الحر عن قناعاتي التي تشكلت في وعيي منذ سنة 1969 . تطورت آليات النظر إلى وطني من خلال نساء و رجال صنعوا حلم شعب بغد كبير. كان الحلم كبيرا، و لم يصل إلى نظرنا و علمنا أن الانتخابات كانت تفرق بين من حملوا سلاحا و التزامات من أجل الاستقلال ، و آخرين تنكروا للتاريخ، و منهم من تحالف مع من خدموا الاستعمار، و اصروا على احتلال الصفوف الأولى ضد الدولة و الوطن.
اتقاسم مع من حملوا شعار مقاطعة الانتخابات بإسم 2727دستور وطني المغرب. و اختلف معهم حتى النخاع حين يعلنون كرههم لوحدة بلادي. نختلف حين يتم تحويل الاختلاف الحزبي و الأيديولوجي إلى معاداة وحدة الوطن. و بالرجوع إلى انتخابات 2026 ، أشعر بقوة، تكاد أن تصل إلى مرتبة المعتقد الأيديولوجي ، أن الطبقة السياسية التي تقرر في يومنا، لا تؤمن بالقضايا المصيرية لكل المغاربة.
و يؤكد الفصل 28 من الدستور و الذي أكد على أن يوم الغد الاربعاء هو موعد الانتخابات و الذي يؤكد على أنني لست مجبرا على المشاركة فيها . كل منا له آراء و أفكار يعبر عنها بحرية دون الاخلال بمقتضيات القانون. و لهذا يجب التأكيد على حرية أي شخص في إعلان مقاطعته للانتخابات ، و الدعوة الى مقاطعتها ممكن ما دام ذلك لم يتم على أساس ترويج اخبار مزيفة ، أو كل ما يتعلق بالتزييف و التدليس و الإكراه و التضليل. تدخل المجلس الوطني لحقوق الانسان ليبين أن مبدأ حرية التعبير يظل المقياس الأساسي في هذا الموضوع.
و لكن التصويت على القانون 25 ـ 53 لسنة 2026 اعاد قراءة المادة 51 من القانون التنظيمي 11 ـ27 ضيقت مجال التعليق أو التشكيك في العملية الانتخابية لتشمل مصطلحات ” كالتزييف، و توزيع أخبار كاذبة و الاشاعات و التدليس. و تصل العقوبات في هذا المجال إلى السجن الذي قد يصل إلى خمس سنوات و غرامات ثقيلة. و تظل المعطيات المتعلقة بالاجتهاد القضائي غير متاحة للجميع، أو لمن لا يتقنون البحث في الأرشيف .
لهذا، و أمام هذه الترسانة القانونية التي صوت عليها أغلب من سيعيدون احتلال مقاعدهم في البرلمان المقبل ، انصح امثالي من التواقين الى تخليق الحياة السياسية إلى الدعاء إن كانوا من المتصوفة من غير اغنياء التصوف التجاري بصرف الأذى عن الناس. و أتوجه لكل من يؤمن بالنضال اليومي على المضي قدما لمحاربة الفساد الذي يضعف بلادنا، و يحولنا جميعا إلى أهداف لمن مارسوا السياسة من أجل اغتناء غير مشروع إلى الأبد. و لبلادي أتمنى الانصاف و المصالحة من جديد، و أتمنى أن يحاسب كل من تولى مسؤولية لها علاقة لتدبير المال العام.