الرئيسية » الرأي » جلود بين السلخ و الجلد

جلود بين السلخ و الجلد

مَاذَا يَبْقَى مِنْ الْأَغْنَامِ حِين تُذْبَح وَتُسْلَخ ؟ ؟
إِن دِمَاءَهَا تَضِيع و تَسِيل بَيْن أَوْدِيَة ِالنِّسْيَان ، وَلُحُومَهَا تَفْنَى وتبلى بَعْدَ أَنْ تُنْعِشَ ميدانَ الْمَرَاحِيضِ وَالدِّيدَان ، أَمَّا جُلُودُهَا فَهِيَ الَّتِي تَظَلَّ وَتَبْقَى شَاهِدَةً عَلَى ذَاكَ الذَّبْح وَالسَّلْخ .
-فمنها مَا يَصِيرُ بَيْنَ أَيْدِي الدَّبَاغ ، فَيُزِيل صُوفَهَا ، وَيَعْرِك بِالْمِلْح ظَاهِرَهَا وَبَاطِنَهَا ، فيُجفِّفُها ويُجمِّلُها ، ثُمَّ يَنْتَظِرُ لَحْظَة بَيْعِهَا إلَى مَنْ سيصْنع مِنْهَا أَلْبَسَةً وحقائبَ وأحذيةً ، والمؤسف أن لا أحدَ من الدَّباغ أو البيَّاع يذكر فِعل سَلْخ الغَنَم ، بقدر ما يتذكرُ منها ما قد غَنَم.
-ونوع آخَرَ مِنْ تِلْكَ الْجُلُودِ يَنْتَهِي بِهِ الْأَمْرُ إلَى أَنْ يَكُونَ لُفَافَةً جِلْدِيَّةً للدُّف أَو الطَّبْل أَو البَنْدير ، فَيُكْتُب لَهَا أَنْ تَعِيشَ وُجُودَهَا بَيْنَ أَيْدِي دَفَّاف أَوْ كَفَّ دقَّاق لَا شُغْلَ له إلَّا الضَّرْب عَلَى جِلْدِ الدُّفّ أَو الطَّبْل بِإِشْكَال مِن الصَّفْع واللكم ،وكُلُّ هَمِّهِ أَنْ يَخْرُجَ غَانِمًا مِنْ كُلِّ سَهْرَة بِرِبْح اوَشُهْرَة .

وَالْغَرِيبُ فِي الْمَشْهَدِ أَنَّ هَذِهِ الْجُلُودَ الصَّامِتة َالمقهورةَ . . لَهَا قُدْرَةٌ عَجِيبَةٌ عَلَيَّ أَنْ تُحَوِّلَ الضَّرَبَات والصََّفعات -التي تتلقاها مِن الدَّقَّاق -الى نَبَرَات وايقاعاتٍ صَائتة ٍوسَاخنة ٍ، تَتَراقَصُ لَهَا الْأَجْسَاد ُ، وتَتَمايَل مِن سِحْرِهَا الْأَبْدَانُ . . فَتَجْعَل مِنْ مُعَانَاةِ نَفْسِهَا ، مَصْدَرًا لمُعَافاة غَيْرِهَا . .
وَفِي نِهَايَةِ كل سَهْرَةٍ يَنتهي الضَّرْب ، عَلَى إيقَاعِ تَصْفِيق وَإِعْجَاب الْجُمْهُور ، ثُمَّ يَحْمِلُ الدّفَاف دفوفه وطبُولَه بَعْدَ أَنْ يأخد أتْعَاب جَِلْدُه ، وَيقصد سَهْرَة أُخْرَى ، لتعيش فيها الْجُلُود مشهد ( قَتَلَةٍ وسلخةً) أُخْرَى .

بقلم: محمد خلوقي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *