الرئيسية » تقافة و فنون » الإعلام و تشكيل سلوك السذاجة و السماجة

الإعلام و تشكيل سلوك السذاجة و السماجة

( اكذب ..اكذب حتى يصدقك الناس ) هذه من الأقوال المشهورةً لجوزيف كوبيز (j-goebbels ) وزير الإعلام و الدعاية السياسية في عهد هيتلر في الحرب العالمية الثانية ، وصاحب فكرة غسيل الأدمغة ، هذا الاسلوب هو الذي صار ت عليه كثير من المنابر الإعلامية والاشهارية ، وقوَّاها وغذَّاها نوعية ٌمن التلقي والتصديق الساذج الذي أَلْغَمَ العقول ، واحتل الوجدان ، وبنى في النفوس أحلاما وأوهاما ومغالطات حول كثير من الأحداث والقضايا السياسية والاقتصادية والدينية والفكرية ؛فمثلا ما روجه الإعلام العالمي والمحلي من كذب حول العراق بامتلاكه أسلحة نووية تهدد أمن وسلامة جيرانه .. فكذبوا وكذبوا حتى صدقهم السذج .

كما كذبوا على الاسلام ونعتوا كل من يعتنقه او يحمل عقيدته بالشخص الدموي والمتخلف والمتطرف فصدقهم السذج.
وكذبوا على ان التجارة الحرة واتفاقياتها العالمية ستعزز التنافسية ويعم العالمَ الرخاءُ الاقتصادي .. فكذبوا حتى صدقهم الحالمون والسذج .
وكذبوا على ان العالم تجتاحه فيروسات وأوبئة قاتلة فصدقهم السذج.
كذبوا ويكذبون ..وسيستمر الكذب دون انقطاع بل أصبح الكذب عندهم اشبه بمادة حيوية يأتون اليه كلما دعت اليها حاجتهم ومصالحهم .فمرة يستعملونه كالماء ليروي عطش المتلقي ، ومرة كالدواء يتم أخذه بمقدار تحقيق التعافي من صدمة الحقيقة ، ومرة كالهواء وجوده ضروري لتحقيق المصلحة واستمراريتها.
هكذا صار حال الإرسال والتلقي المحلي والعالمي ، وبِتْنا – نحن العرب – مُسلِّمين و مُسْتسلِمين ومستهلكين لكل ما تروجه الابواق الإعلامية من أخبار وأقوال وآراء في مجالات متعددة ، وقد تجنَّد لترويجها خبراء ومتخصصون في التَّدْجين ،وسياسة التضليل والإلهاء ،كل ذلك خدمةً لذوي السلطة والمصالح النفوذ والنقود .وقد اصبح هذا النوع من الإعلام الخطير والموجَّه يلعب الدور الأبرز في تشكيل وتكوين الرأي العام ، والدفع به نحو دروب السلبية والسماجة والقبح والانبطاح ، فبتأثير منه طغى الاستهلاك والبلع ، وبتحريض منه انتُهكت الأعراض ، وتأججت الخلافات واستيقظت الفتن ، وأُشعلت الحروب والنعرات ، وبفعله تصالح الناس مع الشيطان ، واستطابوا حياة الذل والمهانة والهوان .
واعتقد أن هذا الفيروس الاعلامي الفاسد صار يتغذى ويتقوى من ضعف وضحالة هذا المتلقي البسيط والساذج ، لما تربى عليه هذا الأخير من علل و أمراض مست مناعته الفكرية والتحصيلية ، حتى صار خانعًا طائعًا و عاريًا من ابسط آليات التحصين والتمحيص والتلقي الناقد والمُنْقِدَ ، و نجزم ان الذي يتحمل وزر المسؤولية التربوية هو محيطنا الأسري والتعليمي والإعلامي ، لانه فشل في غرس وتعهد ثقافة النقد البناء في نفوس الناشئة ،وعجز في مراحل كثيرة عن رفع اجيالنا إلى قمة النظر الثاقب، والفهم اللبيب، والمقارنة المتبصرة ، فكانت النتيجة أن صار عندنا هذا النوع من المتلقي الضعيف و البليد والساذج ، بل وترتب عنه بمنطق التأثير والتأثر محصول إعلامي حربائي أشبه بغثاء السيل ، يعلو صفحات جرائدنا دون حياء ، ويتناسل بسرعة وكثافة على المواقع التواصلية دون استئذان او مراقبة .
وفي هذا المقام ، قد شدَّني ، بإعجاب وتقدير ، ما كتبه الناقدوالمفكر “نعوم تشومسكي”، في معرض اجابته عن سؤال بخصوص كيفية تأثير الإعلام في نفوسنا .
فكان جوابه شموليا وكاشفا ومقنعا ، من خلال بلورة عشْر استراتيجيات يسلكها الإعلام المُوجَّه لإحداث تأثيرات نفسية ، أخطرها هي تعزيز ثقافة الغباء والتغابي .وقد استند تشومسكي في كشفه لتلك الاستراتيجيات إلى “وثيقة سريّة للغاية” يعود تاريخها إلى مايو 1979، وتمّ العثور عليها سنة 1986، و تحمل عنوان: “الأسلحة الصّامتة لخوض حرب هادئة “، وهي عبارة عن كتيّب أو دليل للتحكّم في البشر والسيطرة على المجتمعات. ويمكن لأي قارئ الرجوع إلى هذه الدراسة للاستفادة أكثر . وسأستدل بواحدة من تلك الاستراتيجيات المتعلقة بالأعلام وهي استراتيجية الإلهاء ، حيث جاء في الوثيقة ما يلي :
[ -حافظوا على تحويل انتباه الرأي العام بعيدا عن المشاكل الاجتماعية الحقيقية.
– والْهوه بمسائل تافهة لا أهمية لها.
-أبقُوا الجمهور مشغولا، مشغولا، مشغولا دون أن يكون لديه أي وقت للتفكير.فقط عليه العودة إلى المزرعة مع غيره من الحيوانات الأخرى].*1
نستنتج ان هذا التخطيط الصامت والصائت في نفس الان قد صار وسيلة فعالة لتحقيق التحكم في السلوك ، والفعل ،وردة الفعل ، اي ان هذه الممارسة المكررة لإنتاج ، وتسويق التفاهة والبلادة، من شأنها ان تحقق الغاية والمقصد وهي إلهاء وصرف العامة عن القضايا الأساسية والتغييرات الضرورية .

وهكذا تم اغراق الساحة الإعلامية بموضوعات صغيرة تحددها سلفا النخب المتحكمة في الإعلام و السياسة والاقتصاد، فَتُصَدِّر للعامة كمّا كبيرا من الإلهاءات والمعلومات الضحلة والهامشية والمنحطة .في مجال الفن وكرة القدم والسياسة والاقتصاد والصراعات الاجتماعية ..
وهذا المشهد – بكل ألوانه وتفاصيله – هو ما يسمع ويرى على صفحات جرائدنا العربية، وعلى شاشات التلفاز، ومواقع التواصل .. بحيث عجَّت هذه الوسائل بأحداث، ومقاطع ، وأخبار باهتة و تافهة ، ابطالها البُلهاء والبلداء والجانحون والمجرمون والمختلسون والشاذون .
بل وُضِعت ميزانياتٌ وخططٌ ،وبرامج واستراتيجيات لتشكيل مثل هذا النوع من الإعلام الجاهز والناشز ، إعلامُ النفاق والارتزاق ..إعلامٌ بلا لون، وبلا أخلاق، وبلا ضمير ..لا يتحرَّى الصدق والحقيقة ، بقدر ما يتصالح مع الكذب والافتراء والتلفيق ، حتى انه قد طور آليات اشتغاله وإخفائه للحقيقة ، وصار انتقائيًا، يقدم ويختار للآخر ما يريد إيصاله ، وما يراه مناسبًا لخدمة جهة ما، أو لترويج ايديولوجية محددة ، او لزرع فتنة طائفية ، ولتحقيق ذلك فهو لا يتورع عن تقديم معلومات واخبار ملفقة ، باعتماد آليات اكثر وساخة و غموضا وضبابية مثل ما نسمع من اخبار ( سياسية او اقتصادية او عسكرية او دينية )منسوبة إلى بعض المصادر غير الموثقة : كقولهم :
( هذا الخبر…..منقول عن شهود عيان.!!
– الخبر….. نقل عن مسؤول رفيع المستوى رفض الكشف عن اسمه!!
– قال بعض المحللين السياسيين والاقتصاديين بان ….!!)
وهكذا ينخدع المتلقي الساذج بهذه المصادر غير المعلومة الجهة أوالموثقة الهوية .
فكيف يجزم المتلقي بصحةخبر وصله منقولا عن جهة او مصدر لُّف بالتنكير و التكتم والسرية ؟؟!! وإنْ حاججتهم او جادلتهم في المسألة ، فر وا الى إجاباتهم النمطية ومسلماتهم الأمنية التي تقول ان للصِّحفي حق في حماية مصدره ، وما عليك إلا ان تصدق ما يقول .
واعتقد ان التصديق في هذه الحالات ما هو الا ضرب وشكل من أشكال السذاجة اوالغباء والتغابي الذي لا يُغتفر ذنبه لمن وهبه الله عقلًا راجحًا ، وتبصرا وتفطنا ، بحيث يستطيع بهذه القوة ان يبحث ويقارن ويميز بين الحق والباطل ،والغث والسمين، والصحيح والخطأ .
والنتيجة ان هذا الإعلام الحربائي هو الذي ساهم في تشكيل طينة ٍمن التلقي الهش الذي اصبح يعاين دون ان يقارن ، ويصفق دون ان يدقق ، ويبلع دون ان يمضغ ، جمهور صار أغلبه يعاني من سكتة الوعي ، و وعجز في النقد والمقاومة والتصدي ، وهذا المآل الرخيص يذكرنا بما ذهب اليه الالماني كوبيز Goebbels. حين قال ( أعطني إعلاما بلا ضمير أُعطيك شعبا بلا وعي ) وصدق الداهية .

محمد خلوفي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *