آخر الأخبار

موال أطلسي للكاتبة سعيدة عفيف – 9 –

نشرف من خلال المقطع الشعري على الآداب البرتغالية وعلى رمز من رموزها إنه فرناندو بيسوا الذي جمع بين الكتابة الأدبية والنقدية إلى جانب الترجمة والفلسفة والإبداع الشعري، إذ يعد من أكبر شعراء اللغة البرتغالية والذي لا يذكر اسمه في سماء الأدب البرتغالي إلا مرتبطا بأسماء ثلاث شخصيات هي: الشاعر ألبرتو كاييرو، وريكاردورييس، وألبارودي كامبوس، ويهمنا منها الشاعر ريكاردورييس ووقع اختيار الكاتبة على المقطع الشعري المجتزأ من قصيدة بعنوان لنحاول إذا.

لماذا ريكاردورييس، ولماذا أناشيده؟ وتحديدا المقطع إياه؟ وما طبيعة العلاقة بين

الأناشيد؟

ورد في التقديم الذي خص به محمد أخريف الأناشيد، أن فلسفة الشاعر تمثل ضربا من أبيقورية كئيبة، والأبيقورية نسبة إلى أبيقور مذهب فلسفي، يعتبر اللذة خيرا أسمى، والألم شرا أقصى، والمقصود باللذة في هذا المذهب هو التحرر من الألم، وليس الانغماس في الملذات الحسية، ولهذا حولت في المذهب الأبيقوري إلى مذهب في الزهد (لذة عقلية).

هل يستبطن المقطع الشعري لريكاردورييس أبيقورية المختار الشخصية المركزية في العمل الروائي؟ وإلا ما دلالة استمرارية الألم في افتتاحية الفصل الأول بقول السارد “الألم باق” أو قوله” في البدء كان الألم يدعى فراقا للذين نحبهم بعد أن يغيبهم الموت في سكونه المظلم الكسيح، وفراقا لأمكنة تسكننا.

جغرافية الألم التي تشمل كافة الفصول ترتبط بالأشخاص وفراقهم” ولسوف يأتي يوم تتمكن فيه يا مختار  من كي قلب انفلت من قبضتك دائما، كي لا يتعلق أو ينتظر أبدا.. قلب قايض حلمك باليتم والفجيعة “ص7 والأماكن” “أم الثلوج” قريتنا تقع على ارتفاع يتجاوز الألفي متر فوق سطح البحر. تجثو في حضن الأطلس المتوسط العتيد، قرية كغيرها من القرى المجاورة لمدينة خنيفرة، لا ترعاها في عزلتها الجغرافية ومن طبيعتها القاسية إلا عيون جبال حارسة لا تغفو ولا تنام، جبال انصهرت وانتصبت من قسوة وقوة وفن وجمال” ص 9  والأزمنة “وهذا الزمن البالي المتآكل ليس زمننا بالمرة. وأنتم الرجال صدئون مثله.” ص32 “نحن في زمن صدئ كما تقولين، فهل تظنين نفسك ناجية؟ -لم أدع ذلك يوما،أنا متورطة جدا مثلك تماما… الأمر  ليس سهلا كما يتراءى لنا. إنه صدأ عالق مزمن شوه كل المعاني والقناعات.” ص33  .

“لم تكن السنوات الأولى في المدرسة الداخلية سهلة بالمرة.. سنوات غربة وحرقة ويتم مبكر. فجأة وجدتني وحيدا أعزل من أم كانت حتى شهور قليلة، تغدق علي من دفء أمومتها، ثم اختفت مثل الشهاب، ومن أب، كنت وحيده، ففكر جديا في مستقبلي.. ودفع بي إلى الحياة ” .ص38

” ليس كل مرور الوقت سيئا، تخف وطأة الألم وحدته بمروره، رغم أن كل ما يمر يترك أثرا ووشما في ذاكرتي التي تتمطط وتتقلص لتستوعب كل ما يأتي وما يروح”. ص39

يرجع إلى الصفحات 55-67-102-132-136-136

إذا كان مقطع -ريكاردورييس – عتبة تجاوزناها (من المجاز أي الباب) وصوتا سمعناه، فإن مسار الدخول لم يكن إلا كهوفا مظلمة، وصدى مخيفا مرعبا، وجرحا غير منقطع النزيف،، وزوايا معتمة تحتاج إلى أكثر من مصباح، وارتماء وحفرا وزبى يسكنها من خلال الكاتبة سعيدة عفيف قلق الوجود، المواويل، كمواويلها والأناشيد، شلال ماء مؤلم يعم الأرجاء ولا يستثني كائنا ما كان.

المدينة هي الأخرى تردد صدى موال أطلس الكاتبة لحظة تعريتها وتقشيرها وكشف عوراتها في الفصل السابع عشر “مدننا تقدس التناقضات. تهيء فتياتها ونساءها قسرا أو عن طواعية للعهر والعبث بإنسانيتهن، دونما تعب أو ملل من هذا الوضع الذي يستمر ليل نهار ما استمر الطلب….. تكذب  علينا كتب المدينة وتغرر بنا، إذ كيف تتحول المدينة الأم إلى الوطن اللباس الهوية الانتماء والتاريخ …،إلى جرح موقع على الأجساد لا ينقطع نزيفه، وكيف تتحول إلى عري وعهر ينكص تاريخها ويشمه عار وخزيا” 138-139.

والوظيفة التلخيصية المشار إليها في البداية تظهر جلية واضحة في الفصل الأخير حيث إذا كنا مع – ركاردورييس لا نثير أكثر مما يوقعه حفيف أوراق الأشجار أو خطوات الريح، فإننا مع الكاتبة سعيدة عفيف “لا نساوي شيئا ذا بال بينهما. نساوي حيرة “ص174

“تدرين الآن، كم أن كثرة الآلام تفضي دائما إلى تغيير في الرؤى والقناعات. وإلى إسقاط كل ما تشبثنا به وحلمنا به في واد سحيق ما له قرار، وأن المواجع التي تزيد عن حدها، تؤدي إلى السخرية من كل ما عنى ذات  فترة، شيئا ذا أهمية قصوى في حياتنا….” ص174 .

6-العتبة الأخيرة في ظهر  الغلاف أو واجهته الخلفية:

مقطع سردي مستمد  ومنتقى من الفصل التاسع تحديدا الصفحات 75-  76، السؤال الذي يطرح بصدد هذه العتبة هو لماذا هذا المقطع دون غيره من المقاطع السردية؟ إنه تصدير من نوع خاص يقوم بدور البوح أو الوشاية، قد يقتنص منه القارئ ما يسعفه على التقاط ما يضمن قراءة سليمة بعيدة عن تأويلات متعسفة أو تشويشات محتملة.

المقطع يتحدث عن معرض للوحات فنية يتبارى أصحابها في موضوع محوره وموضوعه الفم كسلطة وصوت، وبقراءة معجمية لتيمته يبدو أنها تتكرر خمس مرات: ثلاث مرات نكرة، ومرتين معرفة بأل، اللوحة الفنية التي استوقفت المختار هي التي ستفوز بالجائزة وهي للرسامة حليمة التازي التي سينغمس في حبها، ويسقى من جحيمها.

لكن المثير في المقطع هو نهايته “الفم في اللوحة لم يعد يمتلك سلطة صوته، ضيعته الألوان فتوارى في خجل”

مقابل هذه اللوحة الفنية، هناك وفي فصول الرواية لوحة طبيعية نسبة للطبيعة تأسر بفضاءاتها الأسطورية وشلالاتها الشاهقة وعيون جبالها الحارسة، وحكايات عشقها الخالدة، إنها لوحة الأطلس التي تتناص مع قصيدة الأطلسية وقسمها الثاني ص34 من ديوان – قال يانا سيدي للشاعر أحمد بدناوي. اللوحة هذه باعتبارها موالا، صرخة كما تقدم تحتاج إلى فم يردد وحنجرة تصدح وتشدو، وحبال تهتز، لكن كما غيبت الألوان فم لوحة حليمة التازي، فأصبح فاقدا سلطة صوته، ها هو الظلم في العزلة وفي انتزاع الملكيات، في حالات الغش (الانتخابات)، والتزوير وشراء ذمم المستضعفين، والوعود الكاذبة وهضم حقوق المرأة والشعوذة، يحول المواويل والأغاني الأمازيغية إلى نواح، والأهازيج (صوت التشجيع) إلى عويل والهمس إلى  آهات، والزغاريد إلى صيحات، والغناء إلى نحيب، موال الأطلس كما تمت الإشارة إلى ذلك في الصفحة 114

ياك الحرف هوى وغار

في بير عميق ماليه قرار

بعد كان المعنى دفاق

ولكل خيال فاق.

هذا المهوى والقرار البعيد والعميق يحتاج إلى من  يردده، لأنه هو الآخر قد اختفى وضاع في زحمة الأفواه مما أفقده  سلطته، ولهذا قبل أن تكون رواية موال أطلسي تذمرا من الأصوات النشاز، هي أولا وأخيرا ومن خلال كل العتبات لعلعة وصوت حق وصرخة من جبال الأطلس الشامخة، إنها فم من لا فم له، أو حيل بينه وبين الكلام، ممن تسميهم الكاتبة بالجسور ” أنا وأمثالي جسر أخرس، أعمى وأصم يا فهيم. ألا تقول الجسور شيئا هل هي خرساء دائما؟؟”ص69.