الرئيسية » الرأي » تقديم الأستاذ محمد الحبيب طالب لكتاب علال الأزهر

تقديم الأستاذ محمد الحبيب طالب لكتاب علال الأزهر

نص تقــديـم الصديق محمد الحبيب طالب لكتاب “الصحراء المغربية جدل الوحدة والتجزئة”:
ليعذرني الرفيق والصديق علال الأزهر، الذي شرفني بكتابة هذه المقدمة، في ما سأبوح به للقارئ ببعض الجوانب الشخصية، والتي لها صلة بالموضوع. وسأتحدث عنه فيها بضمير الغائب، لمعرفتي بتواضعه الذي يأنف من هذا التشخيص.
علال الأزهر، هو أولا، مناضل يعشق الحرية حتى الثمالة. فالحرية تسكنه وهو يسكنها. و” قلقه الوجودي” هذا، والذي لم يفارقه قط، كان وراء تواضعه الأخلاقي الفائق الحد. وكان بالأحرى خلف قلقه الفكري ضد كل المطلقات الجامدة؛ الواقع عنده، متحرك ونسبي وتناقضي مكار، لا يفي قط بالاطمئنان والإشباع الروحي.
وهذا ما يجعل مسحة التشاؤم الظاهرة أحيانا عنده تجد مخارج خلاصها في الممارسة والإرادة النضالية الصامدة والثابتة.
وهو ثانيا، من أسرة لأب فلاح مناضل. والده الراحل السي محمد بنقدور من المناضلين الاتحاديين الأشداء حتى رمقه الأخير. ولا يفوتني هنا ألا أذكر كلمته في مؤتمر منظمة العمل الديمقراطي الشعبي، بعد خروج ابنه علال من السجن، دعما وتأييدا لمسيرة خلفه، ورعاية وحبا منه للجيل المناضل الصاعد. نضاله كان الإرث الأكبر الذي تركه الأب لأبنائه. وهذا يغني عن أي توصيف طبقي آخر.
وهو ثالثا، من الجيل الذي حمل صورا حية عن هبة الشعب المغربي ضد الاستعمار الفرنسي والتي دمغت ذاكرته ونفسيته إلى اليوم. إنها الصور التي التقطتها ذاكرته من تلك الهبة الجبارة وما حملته من تطلعات مستقبلية نحو تملك العصرنة والحرية.
وليس بالقليل ما أضافه انتماؤه ونضاله في صفوف الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، وهو في مطلع شبابه، لمخزون هذه الذاكرة الوطنية الناشئة من صقل واستيعاب حيي النضوج نحو آفاقها الاشتراكية والديمقراطية البعيدة. فكان هذا ما حدد ووجه مساره النضالي إلى اليوم.
أكتفي بهذه الخاصيات الثلاث لعلها تفيد القارئ في سؤاله المتوقع، وما الجديد في الكتابة عن قضية الصحراء المغربية، ومعارك استرجاعها وتثبيت السيادة الوطنية عليها؟ لعل الجواب الأول والأهم لدي، أن هذا الكتاب يعبر في الأساس عن الوجدان الوطني لجيل مناضل عانى في عز شبابه من الظلم الجائر في سنوات الرصاص. فالجزء الأصلي من هذا الكتاب صاغه صاحبه، وهو يقاوم، في ظلمات السجن وعذاباته، حكما قاسيا وانتقاميا، طاله ورفاقه بأرقام “فلكية” حبسية بمقاييس العمر البشري. ومن يعرف تفاصيل تلك المحاكمة الشهيرة، وخفايا ملابسات أحكامها الثقيلة، والعناوين الإسمية والسياسية والإعلامية التي ألصقت بها عنوة، يدرك، أن العقلية القمعية واللامكثرتة التي تعاطى بها الحكم مع هذا الجيل المناضل، والتعنت السياسي الذي أبداه في هذه النازلة، لم يخلوا بالمرة من النوازع الذاتية الانتقامية المشخصنة التعيين.
لقد صار الحدث برمته، اليوم، من الماضي الأسود. لكن دلالته مازالت حية. ولعل الرفيق علال الأزهر في هذا العمل، الذي كرس فيه موقفه الوطني المساند للدولة في معركتها من أجل وحدة الوطن، وهو يقبع في أحد سجونها، يعيد إلى الأذهان نفس المفارقة الدرامية التي عانى منها مناضلون تقدميون في الوطن العربي، ملأوا سجون أنظمة الحكم القمعية، ولم يتوانو لحرارة الضمير، عن تقديم الدعم لموقف وطني اتخذه سجانوهم!
دلالة الحدث الدائمة والحية، أن السياسة، التقدمية بالتحديد والحصر، أخلاق قبل أي اعتبار آخر. وإذا ما انهارت الأخلاق، إنهار معها التقدم المنشود.
ومن حق القارئ أن يعرف، أن من الدوافع الأولى لهذا الكتاب، أنه كتب في لجة الخلافات المنفلتة التي شقت الحركة الماركسية الناشئة في وقتها. وجاء تصويبا لمواقف مجردة وطبقوية الرؤية، خرجت حتى عن الصواب النظري الماركسي. وكان عطبها البنيوي أنها تضع ما تعتبره صراعا طبقيا فوق أو بمعزل عن وحدة الكيان الوطنية، بل وفي تعارض معها. الكيان الوطني في هذا المنظور، يغدو مجرد إطار شكلي لا جذور ولا وظيفة تاريخية له. بينما هو في الحقيقة، كينونة تاريخية جامعة وفاعلة في الأفراد والجماعات والطبقات والدولة وفي كل عناصر الهوية المشتركة، ناهيك عن أن هذا الفعل، يأخذ مداه القوي، أيضا، في التموقعات وصراع المصالح الجهوية والعالمية.
وسيرى القارئ، أن هذا المفهوم العضوي التاريخي الفاعل للكيان الوطني، عدا الخلفية القومية التقدمية المعادية مبدئيا للتجزئة والانفصالات التقسمية لأي قطر عربي، كانا حاكمين على رؤية الكاتب في مجموع تحاليله، الرافضة، من جهة، لانفصال تحت دعاوي تقرير المصير، والموجِّهة، من جهة أخرى، لتراتبية تناقضات العلاقات الاجتماعية الداخلية في صلتها بالمعركة الوطنية الجامعة لكافة قوى المجتمع المغربي.
ولأن الكاتب له خلفية قومية تقدمية، حرص أشد الحرص على إيمانه المطلق بالاتحاد المغاربي الذي حمل في حينه تباشير وضع النزاع جانبا، ليخمد ويتوارى، خلال التركيز الجماعي على أولوية بناء متطلبات الاتحاد المغاربي، وصولا إلى خلق الأجواء السياسية الوحدوية لإنهاء النزاع في الوقت المناسب. وفي جميع الأحوال، يظل الاتحاد المغاربي ضرورة مطلقة لأفق جامع للقدرة على مواجهة التحديات التنموية الكبرى التي تعيق البلدان المغاربية منفردة في عصر العولمة.
إن هذا المجهود الذي قام به الرفيق علال، وفي أوج الخلافات التي ألمت بالحركة الماركسية الوليدة في حينها، كانت له مردوديته الإيجابية عليها، ليس في هذه المسألة الخلافية وحسب، بل وفي الأصول الأيديولوجية التي سمحت بظهور مثل هذا الخلاف. وهكذا، قام جناح منظمة العمل الديمقراطي الشعبي، استمرارا لموقفه الوطني، بمراجعة نقدية أشمل، أفضت إلى إعادة الاعتبار للنضال الديمقراطي الشرعي، بما فيه المؤسسات التمثيلية المنتخبة، كيفما كانت ديمقراطيتها الآنية، وكرافعة نضالية لما هو أفضل. وبوجه عام، أغنت تلك المراجعة الفكرية والسياسية النقدية التصور المجتمعي والنظري للمنظمة. وكان الرفيق علال الأزهر من رواد هذه المراجعة، وهو ما يزال يكابد محن المعتقل.
من مزايا هذا الكتاب عن قضية الصحراء المغربية، والذي ضم في طبعته الجديدة ملحقا خاصا بالمستجدات والمنعطفات التي تطور إليها الوضع، لا سيما تلك الناجمة عن المقترح المغربي في “الحكم الذاتي”، أنه يمد القارئ بمتابعة عيانية لجميع أوجه القضية في أسسها الفكرية، وماضيها التاريخي، ومراحل الصراع التي اجتزتها، والأسئلة التي انطوت عليها. فهو بحق مذكرة سياسية تحليلية جامعة تساعد القارئ على أن يبني موقفه الوطني على دراية واعية بأهم ملابسات القضية.
وبعد هذه العقود في معركة وطنية لا تشي معطياتها، بعد، بحل وارد في المستقبل القريب، ربما يكون السؤال الذي يخامرنا جميعا: ما الذي يجعل حكام الجزائر على عنادهم تابثين، رغم أن كل الشروط الدولية والجهوية التي شجعتهم على مغامرتهم التقسيمية الهيمنية قد تغيرت إلى حد كبير، وبما فيها الأوضاع الوطنية الداخلية كما كانت في بدايات الصراع، بينما، اليوم، السيادة الوطنية على الأرض قائمة ومنتهية؟ هل فقط لأنهم تورطوا دوليا وأمام شعبهم، فما عادوا يستطيعون العودة على خطئهم التاريخي الجسيم؟ وهل مازالت دوافعهم المصلحية والجيوبوليتيكية هي نفسها كما كانت في الماضي؟
كيفما كانت أجوبتنا على هذه الأسئلة، فالشيء المؤكد، أن حكام الجزائر، لغرورهم الجيوبوليتيكي إبانها، أخطئوا في منطلق حساباتهم، لأنهم لم يروا في حينه، أن المغرب الذي كان يبدو في الداخل والخارج ضعيفا، لشعبه ولدولته تاريخ عريق يخرج من “القمقم” كلما هُدد في كيانه. والشيء المؤكد أيضا، أنهم باتوا يدركون، لا محالة، فشل رهانهم الاستراتيجي الهيمني. وما عنادهم الحالي في الإبقاء على ستاتيكو، في انتظار أن يأتيهم القدر بمفاجأة غير متوقعة، سوى انتظار الذي يأتي ولا يأتي. صحيح، أن القوى الدولية الكبرى الغربية، حتى وهي أقرب إلى المبادرة المغربية ديبلوماسيا، لا تريد إقصاء الجزائر، لمصالحها فيها، ولمصلحتها في الحفاظ على ورقة ضغط لاحتواء البلدين معا، الجزائر والمغرب… لكن الذي يتناساه هؤلاء الحكام في هذا الرهان القدري خلف الإبقاء على ستاتيكو، مادام الشعب المغربي لن ينثني إطلاقا، أن الغائب الأكبر في معادلتهم الاستراتيجية، ومنه ستأتي المفاجأة حتما، هي رغبة الشعب الجزائري في التخلص من الإرث الثقيل للأزمة المفتعلة، والتي لم يكن له دخل فيها. وقد كانت السابقة في أحداث 1988 في الجزائر، وما كان على إثرها من انفتاح ديمقراطي داخلي محدود ومن التفات إلى الاتحاد المغاربي. وأزمة الحكم في الجزائر مازالت قائمة ومفتوحة على كل الاحتمالات.. هذه هي المفاجأة الوحيدة التي لا ينتظرها الماسكون بالحكم في الجزائر. وإن غدا لناظره قريب!

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *