الرئيسية » تربية و التعليم » اول الغيث قطر.. كتاب العقد الفريد لابن عبد ربه

اول الغيث قطر.. كتاب العقد الفريد لابن عبد ربه

صدر لأستاذة الأدب الأندلسي بكلية اللغة جامعة القاضي عياض الدكتورة عتيقة السعدي عن مؤسسة آفاق للدراسة والنشر كتاب يحمل عنوان -العقد الفريد لابن عبد ربه الأندلسي ت 328 ه في طبعته الأولى، يتضمن فصلين اثنين يتعلق أولهما بسيرة ابن عبد ربه،ويحتوي ثمانية مباحث، وثانيهما وسم بالتعريف بكتاب العقد الفريد ،يقع هو الآخر في عشرة مباحث تتقدمهما مقدمة ويذيلان بخاتمة  .

ولتقريب القارئ من الكتاب سأقف عند ما يمكن أن نعتبره “ميثاق قراءة  “ورد في صفحة الغلاف وتضمنته المقدمة عبر قول الكاتبة ” ويعد هذا الكتاب طليعة سلسلة مصادر أدب الغرب الإسلامي قررنا أن نبدأ في إصدار هذا الجزء ….وأن نضطلع بمتابعة الجهد في إصدار جزأين تاليين يتناولان على الترتيب “الذخيرة في محاسن الجزيرة لابن بسام الشنتريني ،ونفح الطيب للمقري . .

الجزء الذي اعتبرته الكاتبة في خاتمة الكتاب قطرة من غدير الأندلس …..والذي يعد من أقدم ما وصلنا عما يصطلح عليه بأدب الغرب الإسلامي .

تظهر العتبة إياها من خلال وحدتها المعجمية “سلسلة ” وما تحيل عليه من حلقات و” المصادر ” ودلالتها على صيغة منتهى الجموع طموح واهتمام الكاتبة بالمكتبة الأندلسية والمغربية ،إلا أن جدوة هذا الطموح سرعان ما تخبو وتنطفئ لحظة اقتصار الكاتبة وحصرها لتلك المصادر في مصدرين آخرين هما الذخيرة ونفح الطيب . إذ بين المصدر الأول  العقد الفريد والأخير نفح الطيب توجد درر ما أحوج طلابنا الجامعيين بله أساتذتنا إلى التعريف بها والمتح من معينها والرجوع إليها دراسة وتمحيصا وتدقيقا وتحقيقا ،وهو ما نأمل أن تؤسس له الجامعة المغربية فرق عمل وخلايا بحوث تنضاف إلى المجهودات الفردية المهووسة بالبحث العلمي في غياب أية شروط  موضوعية .

وسيسجل التاريخ بمداد الفخر للكاتبة عتيقة السعدي هذه المبادرة غير المسبوقة خاصة  أن أغلب هذه المصادر قد حقق مرات وطبع أخر .رغم أن علاقتنا بها قد بدأت في التراجع إن لم نقل بأنها تكاد تنعدم لدى البعض ممن يكتفون بما كتب عنها من مقالات أو دبج من  دراسات دون تكليف أنفسهم عناء الرجوع إليها عينها .وهي في نظري ثغرة من ثغرات تكويننا الأكاديمي مذ التحقنا بالجامعة المغربية وتخرجنا منها مستظهرين عناوين لمصادر دون أن تقترب أكفنا منها ذات يوم ،أقصد على سبيل المثال لا الحصر : المغرب في حلى المغرب والحلة السيراء وقلائد العقيان والإحاطة والفهرسة والصلة وصلة الصلة والذيل والتكملة والبغية والإعتاب والقدح المعلى والبيان المغرب وتاريخ علماء الأندلس والخريدة والمطرب ومطمح الأنفس والمعجب والمقتبس والمقتضب والمن بالإمامة ونفاظة الجراب ……..الخ مما ستكون الكاتبة عتيقة السعدي قد نهلت منه وازداد ظمؤها إلى غيره من المؤلفات . .

ومساهمة مني في هذه العجالة لتأكيد أهمية كتاب العقد الفريد سأرجع إلى ما اختتمت به الكاتبة المبحث العاشر من الفصل الثاني ” طبعات الكتاب وتحقيقاته وترجماته ” وأشير إلى أن الاهتمام بهذا المصدر من مصادر تراث الأندلس قد بدأ منذ الربع الأخير من القرن التاسع عشر سنة 1875 في طبعته الأولى ببولاق ،واستمر الاهتمام به إلى الآن في الدراسات الأدبية والنقدية حيث حقق الكتاب عام 1940 من قبل فريق عمل يشرف عليه أحمد أمين صحبة أحمد الزين وإبراهيم الأبياري وفهرس من قبل محمد فؤاد عبد الباقي ومحمد رشاد عبد المطلب ـكما حقق من طرف محمد سعيد العريان ،وتمت الإشارة إلى تحقيقات أخر ذكرتها الكاتبة في الصفحتين 199 و200  لكن يبقى في نظري الشخصي  عمل أحمد أمين متميزا على مستوى التحقيق – طبعا دون بلوغ درجة الكمال – خاصة أن الفريق استعان بالمستشرق ريتر  للحصول على إحدى نسخ العقد الفريد إضافة إلى كافة النسخ الموجودة بدار الكتب المصرية ،الأمر الذي لم يتأت لمحمد سعيد العريان ولم ترد إشارة للنسخ المعتمدة من طرفه . .

إن ما قام به أحمد أمين بمعية من تمت الإشارة إليهم هو عبارة عن تحقيق ،وباعتراف الكاتبة إذ تقول ص199 ” ثم صدرت عن لجنة التأليف والترجمة طبعة أخرى للكتاب في سبعة مجلدات سنة 1940 بعناية الأساتذة أحمد أمين …..وهي أجود الطبعات وأدقها وأحسنها تنظيما . ”

إن الأمر لا يتعلق بإصدار كما يمكن أن يلتبس على القارئ العادي ،وإنما بتحقيق يقول عنه من قاموا به “ثم ها نحن أولاء نحاول أن نخرج الكتاب إخراجا علميا مصححين – ما استطعنا – أغلاطه معارضين نسخه المختلفة بعضها على بعض ،مثبتين أصحها ذاكرين في حواشي الكتاب ما ورد في النسخ الأخرى ،مكملين ما نقص من عباراته مفسرين ما أبهم من كلماته ،شارحين ما غمض من مشكلاته ،ضابطين ألفاظه ،متحرين أصح الأقوال في نسبة المقطوعات الشعرية والنثرية والأخبار إلى أصحابها ،مبينين اختلاف الروايات في الشعر والنثر منبهين على أحسنها ،معنونين كل خبر وكل مقطوعة بعنوان خاص يدل عليه ويجمع ما فيه  مع الإيجاز ،كل ذلك حسب استطاعتنا . وعسى أن نكون قد وفقنا فيما حاولنا .” العقد الفريد .

ويقول صاحب العقد الفريد  عن كتابه ” وسميته كتاب العقد الفريد لما فيه من مختلف جواهر الكلام مع دقة السلك ،وحسن النظام ،وجزأته على خمسة وعشرين كتابا ،كل كتاب منها جزآن ،فتلك خمسون جزءا في خمسة وعشرين كتابا ” العقد الفريد.

إن الخمسة والعشرين كتابا المتضمنة لخمسين جزءا تشكل مادة الكتاب العلمية الموسوعية ،والتي جاءت على شكل عقد يتكون من خمسة وعشرين جوهرة تتوسطها واسطة العقد (كتاب الواسطة في الخطب ) العقد الذي سيطوق به مجموعة من الكتاب والأدباء أعناقهم تجملا واعترافا بأفضال صاحبه عليهم ،يتقدمهم في مبحث الكاتبة الثامن كل من الأبشيهي والعلامة ابن خلدون والقلقشندي والنويري والبغدادي وابن الأبار وابن خلكان وابن سعيد والذهبي وابن كثير والمقري ،ناهيك عن كتابيي “طبائع النساء ” لمحمد إبراهيم سليم

و”أخبار النساء  في العقد الفريد “لعبد مهنا وسمير جابر اللذين استمدا  موضوع كتابيهما من العقد الفريد . .

لقد أظهرت الكاتبة عتيقة السعدي وهي تعدد مصادر ابن عبد ربه في كتاب العقد الفريد أن سمة التعدد في المرجعيات قد أكسبت الكتاب مجموعة من القيم شغلت ما يقارب ثلاثة وثلاثين صفحة – يمكننا العودة إليها في قراءة  لاحقة متأنية للكتاب – وهي على التوالي  :

القيمة الأدبية – قيمة الإمتاع النفسي -القيمة النقدية – القيمة الدينية – القيمة التاريخية – والقيمة البلاغية

وبالرغم من ذلك كله لم يسلم كتاب العقد الفريد وصاحبه القرطبي من مجموعة من الانتقادات أشارت إليها الكاتبة وأدلت بدلوها في ذلك ،نكتفي منها بالإشارة  إلى تفسير الدكتور أمجد الطرابلسي لمصدرها الأول الصاحب بن عباد صاحب القولة الشهير ة “هذه بضاعتنا ردت إلينا ” بقوله  :” ولسنا نرى من سبب لهذه الصبغة المشرقية التي اصطبغ بها الكتاب سوى إعجاب الأندلسيين آنذاك بالمشرق ،أدبه  و أدبائه وحرصهم على أن يحذو حذو الأدباء المشارقة في تآليفهم ”     نظرة تاريخية في حركة التأليف.

لنختتم بالقول أن الكتاب يضمر بين طيات أجزائه الخمسين إعلانا بإثبات التفوق الأندلسي والذات الأندلسية التي شكلت في ما كتب دافعا من دوافع الكتابة تبعا لما كان يعقد من مقارنات : المشرق فيها أنموذج مقلد والأندلس فيها معارض مقلد  ،ألم يعارض ابن عبد الغفور الكلاعي أبا العلاء المعري في أربعة كتب ،وابن أبي الخصال وأبو طاهر السرقسطي الحريري في المقامات ،ألم يعارض  أبو تمام وأبو الطيب المتنبي ولقب ابن هانئ وابن دراج وابن سهل وابن عبدون بمتنبي الأندلس ،وابن خفاجة وابن عمار بصنوبري الأندلس .

لقد وردت الإشارة إلى ذلك في مقدمة العقد الفريد  يقول ابن عبد ربه “..وحليت كل كتاب منها بشواهد من الشعر تجانس الأخبار في معانيها وتوافقه في مذاهبها ،وقرنت بها غرائب من شعري ليعلم الناظر في كتابنا أن لمغربنا على قاصيته وبلدنا على انقطاعه حظا من المنظوم والمنثور ” العقد الفريد  .

وهو أمر  أكده كل من ابن حزم في رسالته وابن بسام في ذخيرته وابن خاقان في المطمح والقلائد والشقندي وابن دحية وابن سعيد .

عبد الصادق شحيمة

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *