آخر الأخبار

ندوة الإدارة القضائية

ندوة الإدارة القضائية بين سؤال اللاتمركز الإداري، وتحديات النموذج التنموي الجديد :  ”  إن الإصلاح الشامل والمندمج للإدارة العمومية يكتسي طابعا استعجاليا، بحكم الرهانات المطروحة عليه ضمانا للرعاية المستمرة للمرفق العام وجودة الخدمات العمومية، مع ما يقتضيه ذلك من دعم للبعد الجهوي واعتماد اللاتمركز الإداري، واعتماد الكفاءة والفعالية في تدبير الموارد البشرية.

وتعتبر الجهوية المتقدمة كمقارنة عملية ناجعة في الحكامة الترابية، حجر الزاوية الذي ينبغي أن ترتكز عليه الإدارة لتقريب المواطن من الخدمات والمرافق التي يحتاجها، ومن مراكز القرار. ولن يأتي التفعيل الأمثل لهذا الورش الهيكلي، إلا بالإفراط الفاعل للجميع في تنزيله وخصوص الإدارة العمومية، المركزية والمحلية.”

مقتطف من الرسالة الملكية السامية إلى المشاركين في المنتدى الوطني للوظيفة العمومية العليا 27 فبراير 2018

“وعلى غرار مبادرتنا للمفهوم الجديد للسلطة الهادف لحسن تدبير الشأن العام فقد قررنا ان نؤسس لمفهوم جديد لإصلاح العدالة ألا وهو ” القضاء في خدمة المواطن” وان نتوخى من جعل القضاء في خدمة المواطن قيام عدالة متميزة بقربها من المتقاضين وبساطة مساطرها ونزاهة أحكامها وحداثة هياكلها.”

من خطاب صاحب الجلالة أكتوبر 1999

 

يشكل الميثاق الوطني للاتمركز الإداري لبنة أساسية في استكمال البناء الديمقراطي، باعتباره رافعة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة والمستدامة، فهو تصور شامل ومتكامل لا يهم فقط نقل مجموعة من الاختصاصات والسلط من المركز إلى المصالح اللاممركزة بل يتعلق بتحول هيكلي في بنية النظام الإداري ببلادنا من خلال تخويل المصالح اللاممركزة صلاحيات في مجال التدبير المالي، وتحفيز الاستثمار، وإعداد وتنفيذ البرامج القطاعية وتدبير الموارد البشرية،                وهو ما سيمكن من إحداث قطيعة حقيقية مع نظام المركزية وتمركز اتخاذ القرار على مستوى الإدارات المركزية، وحصر نشاطها في الوظائف الاستراتيجية المتمثلة في بلورة تصور السياسات العمومية، مع ترك تنفيذها وتنزيلها على المستوى الترابي إلى المصالح اللاممركزة.

فالميثاق يعتمد على  مبدأ الإنصاف في تغطية التراب الوطني، من خلال ضمان التوزيع الجغرافي المتكافئ لمصالح الدولة اللاممركزة وتخويل الجهة مكانة الصدارة في التنظيم الإداري الترابي وجعلها المستوى البيني في تنظيم العلاقة ين المستوى المركزي وباقي المستويات الترابية، حيث استند على مبدأ التفريع القائم على توزيع المهام وتحديد الاختصاصات بين الإدارات المركزية والمصالح اللاممركزة التابعة لها؛ وجعل من وحدة عمل المصالح اللاممركزة للدولة الضمانة الأساسية للنجاعة  والفعالية، وتحقيق الالتقائية والتكامل في الاختصاصات الموكولة إليها، مع ربط المسؤولية بالمحاسبة في تقييم أدائها، واشترط نقل الاختصاصات إلى المصالح اللاممركزة بضرورة تخصيص الموارد المالية والبشرية لتمكينها من الاضطلاع بالمهام والصلاحيات المخولة لها بهدف تقريب الخدمات العمومية من المرتفقين والارتقاء بها وضمان جودتها واستمرارية تقديمها.

من هذا المنطلق يأتي حديثنا اليوم عن الإدارة القضائية، باعتبارها مؤسسة من بين مؤسسات الإدارة العمومية يعهد إليها تدبير الشؤون القضائية لعموم المواطنين، وتنفيذ المهام التي اضطلعت بها، بهدف تحقيق المصلحة العامة مما يجعلها أيضا ضمن الأهداف الاستراتيجية للنموذج التنموي الجديد؛ حيث ما فتئ جلالة الملك يؤكد في العديد من خطاباته السامية على جعل القضاء والإدارة القضائية في صلب مشروع اللاتمركز الإداري، فقد جاء في خطابه بمناسبة افتتاح الدورة الخريفية للسنة التشريعية 2010-2011 “… وإننا نتوخى من جعل القضاء في خدمة المواطن قيام عدالة متميزة بقربها من المتقاضين، وبساطة مساطرها وسرعتها، ونزاهة احكامها وحداثة هياكلها….”.

غير أن موضوع اللاتمركز الإداري بقطاع العدل يطرح العديد من الإشكاليات التي تجعل منه تحديا مطروحا على عاتق جميع المتدخلين في ظل الاختلالات البنيوية والوظيفية التي راكمها النموذج الحالي نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:

-وحدات إدارية لا ممركزة ( مديريات فرعية إقليمية، مصالح كتابة الضبط وكتابة النيابة العامة) تتحمل مسؤوليات جسيمة من دون وجود هياكل واختصاصات واضحة.

-عدم وجود إطار قانوني دقيق يوضح العلاقات بين المسؤولين القضائيين والمديرين الفرعيين الإقليميين.

-ضعف الإمكانيات اللوجستيكية والبشرية امام التزايد المضطرد لحجم الأنشطة القضائية والإدارية للمحاكم بسبب النمو الديمغرافي وشساعة الخريطة القضائية.

أمام هذا الوضع لا يستقيم الحديث عن موضوع اللاتمركز الإداري من دون القيام بقراءة موضوعية للتجربة الحالية لتثمين التراكم الإيجابي ولتذليل الصعوبات والاكراهات الموجودة مع الاخذ بعين الاعتبار مضمون التوجه الاستراتيجي لبلادنا الذي يكرس الخيار الديمقراطي وبناء دولة القانون والمؤسسات مع ما يقتضيه ذلك من ادماج العديد من المقاربات ومعالجة الأسئلة التي يطرحها حسب المحاور التالية:

1-تنزيل مبدأ فصل السلط على المستوى اللاممركز:

من الصعوبة بما كان ان تلائم الخريطة القضائية التي تتأسس على مبدا استقلال التنظيم القضائي مع التقطيع الإداري المرتبط بنسق مجالي أساسه الجهوية المتقدمة. مما ينتج عنه ازدواجية غير متجانسة. ويطرح معه التساؤل التالي:

إلى أي حد يمكن الحديث عن تقاطع وبلورة أدوات الوصل بين لا تمركز السلطة القضائية والنيابة العامة ولا تمركز إداري لوزارة العدل في ظل فصل السلط؟

2-دمج مبدأ استقلال السلطة القضائية ومبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة

يطرح مبدأ استقلال السلطة القضائية إشكالية الجهة التي تتولى مراقبة ومحاسبة المسؤول القضائي أثناء مزاولته للمهام الإدارية والمالية الصرفة وكيفية تدبير آلية المراقبة والمحاسبة بين السلطتين التنفيذية والقضائية؟

3-مبدأ الحكامة التدبيرية على ضوء قرار المحكمة الدستورية رقم 19.89 :

إشكالية التداخل الوظيفي بين المهام الإدارية ذات الصبغة القضائية والمهام الإدارية الصرفة في ظل قرار المحكمة الدستورية رقم 19.89 المرتبط بقانون التنظيم القضائي امام غياب رؤية دقيقة وواضحة لاختصاصات المسؤولين القضائيين والمسؤولين الإداريين (الكتاب العامون، رؤساء كتابات الضبط) في مجال التدبير الإداري والمالي للمحاكم ومدى تأثير ذلك على توزيع الاختصاصات وترتيب المسؤوليات بين كافة المتدخلين؟

4-موقع وزراة العدل في ميثاق اللاتمركز الإداري:

استثناء وزراة العدل من ميثاق اللاتمركز الإداري من دون وجود مبررات موضوعية يطرح ثلاث تساؤلات:

الأول : حول شغور موقع وزارة العدل في النسق المؤسساتي الترابي الذي يعتبر الوعاء الاستراتيجي لتفعيل السياسات العمومية الوطنية. خصوصا في المجالات المرتبطة وظيفيا بوزارة  العدل (السياسة الجنائية، حقوق الانسان، حماية المرأة والطفل…). كما يطرح التساؤل حول إمكانية إنشاء مصالح خارجية لوزارة العدل وتفعيل سياسة القرب لتلبية حاجيات المرتفقين.

الثاني : حول استبعاد وزارة العدل من مخطط نقل الاختصاصات الإدارية والمالية من الإدارة المركزية إلى الإدارة اللاممركزة خصوصا في المجالات الأفقية المرتبطة بباب النفقات في الميزانية العامة للدولة، والتي تشترك فيها مع باقي القطاعات الوزارية.

الثالث : مدى مواكبة المؤسسة المحمدية للأعمال الاجتماعية لقضاة وموظفي وزارة العدل لمخطط اللاتمركز الإداري في ظل غياب التعبير الفعلي عن إرادة لمراجعة ونقد النموذج التنظيمي الحالي للمؤسسة؟

إن ودادية موظفي العدل باعتبارها جمعية مهنية من داخل وزارة العدل تتحمل مسؤولية الاعتناء بالشأن المهني لموظفي العدل تجد نفسها ملزمة بفتح نقاش جاد ومسؤول بشراكة مع وزارة العدل وبتنسيق مع النقابة الديمقراطية للعدل ومع مختلف المكونات والشركاء من داخل القطاع وخارجه بهدف الوقوف على مضامين مشروع اللاتمركز الإداري لإيجاد الصيغ المناسبة لإدماج الإدارة القضائية ضمن هذا المشروع الواعد وحتى تتمكن من مواكبة النموذج التنموي الجديد مع  ما يقتضيه ذلك من تحديث وتطوير للبنيات الإدارية القضائية بهدف جعل الإدارة القضائية في صلب مشروع التنمية الشاملة تحقيقا للعدالة المجالية وتفعيلا للتوجيهات الملكية السامية لملك البلاد.