افاد المرصد الدولي للإعلام وحقوق الانسان، بشأن محاربة الفساد المالي وسوء التدبير وربط المسؤولية بالمحاسبة، انه في ظل النقاش العمومي المتجدد حول واقع الحكامة المالية وربط المسؤولية بالمحاسبة، وإثر ما كشف عنه التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات من معطيات خطيرة همت متابعة 395 مسؤولاً عمومياً، من بينهم 154 رئيس جماعة ترابية بسبب اختلالات جسيمة في تدبير المال العام، فإننا نسجل ما يلي :
أولاً : المحاسبة مبدأ دستوري لا يقبل التجزئة
– إن دستور المملكة المغربية لسنة 2011 جعل من ربط المسؤولية بالمحاسبة قاعدة دستورية صريحة، حيث نص الفصل الأول على أن النظام الدستوري للمملكة يقوم على مبادئ الحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، كما أكد الفصل 147 وما يليه على الدور المحوري للمجلس الأعلى للحسابات في مراقبة تدبير المال العام وترسيخ الشفافية والنزاهة.
غير أن تفعيل هذا المبدأ لا يمكن أن يكون حصرياً أو انتقائياً، بل يقتضي إشراك جميع الفاعلين، مؤسسات رسمية ومجتمعاً مدنياً، كل من موقعه واختصاصه، في إطار تكاملي يهدف إلى حماية المال العام وصيانة الثقة في المؤسسات.
ثانياً: حصيلة رقابية ثقيلة تؤكد عمق الاختلالات
– إن الأرقام التي تضمنها تقرير المجلس الأعلى للحسابات، وما رافقها من إحالات على النيابة العامة وإصدار آلاف الأحكام النهائية، تؤكد أن الفساد وسوء التدبير ليسا حالات معزولة، بل ظواهر بنيوية تستدعي مقاربة شمولية تتجاوز منطق الاكتفاء بالآليات الرسمية وحدها.
ثالثاً: تقييد دور المجتمع المدني… تراجع مقلق
– إن التوجه نحو تقييد حق الجمعيات الجادة، خاصة المهتمة بحماية المال العام، في التبليغ والترافع القضائي، يطرح إشكالاً حقيقياً حول توازن منظومة المحاسبة.
فالمجتمع المدني، كما ينص الفصل 12 من الدستور، شريك أساسي في إعداد وتتبع وتقييم السياسات العمومية، وليس خصماً للمؤسسات، ولا يمكن اختزال دوره في منطق “الابتزاز” أو “الشكايات الكيدية دون تمييز بين الممارسات المسيئة والعمل الحقوقي الجاد والمسؤول.
رابعاً: المرجعية الملكية واضحة وحاسمة
– لقد شدد جلالة الملك محمد السادس، نصره الله، في أكثر من خطاب، على أن محاربة الفساد ليست خياراً ظرفياً، بل معركة وطنية دائمة، وعلى أن “لا أحد فوق القانون، وأن التخليق والصرامة في تدبير الشأن العام شرط أساسي للتنمية والاستثمار وترسيخ دولة القانون.
كما أكد جلالته أن ربط المسؤولية بالمحاسبة يجب أن يُترجم إلى ممارسات فعلية، لا إلى شعارات أو إجراءات تفرغ هذا المبدأ من محتواه.
خامساً: التزامات وطنية ودولية لا يجوز الالتفاف عليها
– إن المغرب، باعتباره طرفاً في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، ملزم بتشجيع مشاركة المجتمع المدني في الوقاية من الفساد ومحاربته، وتعزيز آليات التبليغ والشفافية وحماية المبلغين، وهي التزامات لا تنفصل عن القوانين الوطنية، وعلى رأسها القانون الجنائي، وقوانين الحكامة والشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
– إن محاربة الفساد المالي وسوء التدبير لا يمكن أن تنجح بمنطق الاحتكار أو الإقصاء، بل بمنطق التكامل والتشارك بين المؤسسات الدستورية، والقضاء، والنيابة العامة، والمجتمع المدني، والإعلام الجاد.
وأي تراجع عن هذا التوجه يُضعف الثقة في المسار الإصلاحي، ويناقض روحالدستور، والتوجيهات الملكية، والالتزامات الدولية للمملكة.
إن حماية المال العام مسؤولية جماعية، ومحاسبة المفسدين ليست امتيازاً لأي جهة بل حق للمجتمع وواجب على الدولة، في إطار سيادة القانون واستقلال القضاء
