الــفــيــفــا فــاتــيــكـان كــرة الــقــدم

سـعـد سـرحـان

تــقـــديــم: في هذا المقال تطرق الشاعر سعد سرحان إلى نتف من تاريخ كرة القدم ونشأتها، قبل أن يشير إلى أن “كرة القدم تكاد تكون ديانة قائمة بذاتها، لها فروضها وسننها، ولها شرائعها وهياكلها”. وقال سرحان إن الجامعة الدولية لكرة القدم “الفيفا” هي المرجع الأعلى للعبة، مضيفا أنها “فاتيكان كرة القدم ورئيسها هو مفتي الديار الكروية، وأصبح لاسمها في المسامع وقع صندوق النقد الدولي ومجلس الأمن، ونسمع “الفيفا” عشرات المرات قبل أن نسمع اليونسكو مرة واحدة.
لكل لعبة تاريخان: ما قبل اللعب وما بعد الجد.فلعبة الغولف، مثلا، تطورت عن لعبة شبيهة بها كان يلعبها الرعاة في المروج بين قطعانهم، حيث الحفر طبيعية والكرات من جذور الدوم الصلبة، أما العصي فمعقوفة لأسباب أخرى ليس الذئب أولها وليس آخرها الثمار العالية… وكان أن جاء رعاة آخرون، رعاة أنيقون اقتطعوا من المدن أطرافها النقية وحولوها إلى مروج اصطناعية بها برك ترتوي من عطش الفقراء. ولأنهم يأنفون من رؤية الماعز، فقد أطلقوا بها أسرابا من البط.. هكذا صارت لهم لعبة أنيقة ومكوية بعناية تليق برعاة الشركات والبنوك وقطعان الأرصدة.الألعاب الأولمبية، أيضا، لها تاريخان. فهنالك الألعاب الأولمبية التي شارك فيها نيرون شخصيا بعربة تجرها ستة خيول في سباق كل عرباته تجرها أربعة فقط، ولم يعتبر أحد ساعتها أن الحصانين الإضافيين عبارة عن منشطات. وهنالك الطبعة المزيدة والمنقحة التي تنقلها القنوات الفضائية الآن، ويعاقب المشاركون فيها على مثقال ذرة من مادة محظورة قد تكون تسربت إلى سوائلهم من أقراص الزكام أو توابل الطعام حتى. أما المتوجون فيها فيصبحون أشهر ليس من نيرون فقط بل من كل آلهة الأولمب أيضا.أما كرة القدم، وهي مربط الفرس (بالمناسبة، ما رأيكم في إهداء هذه الورقة إلى السيد أحمد فرس؟)، فلها تاريخ مشهور وتواريخ مغمورة لا يكاد يأبه لها أحد. ففي أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين تأسست معظم الأندية الكبرى بعد أن كانت اللعبة قد خضعت لجل القواعد المعروفة الآن، ولا شك أن الفضل في ذلك يعود إلى الإنجليز. أما ظهورها ولو بشكل جنيني فلم يحظ في الغالب بأسئلة ملحة.الصينيون يعتبرون أنفسهم الآباء الروحيين للعبة، كونهم مارسوها منذ أكثر من ألفي سنة قبل الميلاد، ومعهم ظهرت الكرة المصنوعة من جلد الحيوان والمملوءة بالهواء، ومعهم أيضا ظهر المرمى بقوائمه الخشب وشباكه الحرير ولقد كانت كرة القدم إحدى وسائلهم للتدريب على فنون الحرب… إننا لا نملك إلا أن نصدقهم، فالصين أرض الفلسفات القديمة والديانات الأرضية، أرض اليوغا والكاراتيه.. ودودة القز أيضا. والأرجح أنهم لم يتحولوا عن كرة القدم (وليتهم ما فعلوا) إلا بعد أن ألهاهم التكاثر. اليونانيون لن يعدموا حجة لتأكيد فضلهم في ظهور اللعبة حتى لو استعانوا في ذلك بالإلياذة: “تم ضبط أناوسيكا ووصيفتها تلعبان”. فهم أيضا صنعوا الكرة من جلود الأبقار وملأوها رملا. ولقد كان شائعا لديهم انتزاع الكرة من الخصم بواسطة اليد، ما يجعل اللعبة عندهم أقرب إلى الكرة المستطيلة حاليا. اليونانيون رصعوا تاريخ المعرفة بأسماء عديدة، وإليهم يعود الفضل في تأسيس علم المنطق وفن الشعر… وهم الذين هندسوا الكون بالأساطير العميقة. فهل نستكثر عليهم أن يكونوا، في لحظة طيش، قد لعبوا كرة القدم أيضا؟الإمبراطورية الرومانية عرفت كرة القدم قبل الميلاد. وهنالك لوحة فنية تبين ستة شبان رومانيين يقذفون بأقدامهم شيئا مستديرا مثل الكرة، ومنقوش على اللوحة “نحن أصل كرة القدم”، ما يحمل على الاعتقاد أن الإنجليز أنفسهم عرفوا اللعبة من الغزاة الرومانيين. وعلى العكس من الإنجليز، فإن الإسبان أخذوا كرة القدم عن الهنود الحمر الذين كانوا يصنعونها من المطاط. فالقائد الإسباني كورتيز أخذ فريقين من الهنود الحمر إلى اسبانيا حتى تتفرج الملكة على هذه اللعبة وذلك سنة 1528 ولم يدر بخلده (فقد كان له خلد) أنه بعد قرون ستعرف البطولة الاسبانية لكرة القدم استقدام العديد من نجوم اللعبة مقابل ملايين الدولارات وهؤلاء النجوم (هل هي صدفة؟) معظمهم من أمريكا اللاتينية، أحفاد الهنود الحمر على الأرجح.أما العرب فمدينون لعلماء الآثار والمؤرخين في الكشف عن فضلهم. ففي مدينة القادسية العراقية تم اكتشاف لوحة عمرها أربعون قرنا تمثل قدمي شخص يستعد لتسديد الكرة. أما في مصر، وفي مقابر بني حسن تحديدا، فيؤكد المؤرخ السوفيتي سوسكين أنه وجد رسوما تشبه كرة القدم يعود تاريخها إلى 4500 سنة قبل الميلاد، فيما يذهب الكاتبان السوفياتيان تسيريك وبولوكاشين إلى أن الجد الأول لكرة القدم عاش في مصر التي لم يجد الأثريون بها رسوما فقط، بل وجدوا الكرات أيضا. وإذا كان المؤرخون القدامى يقولون إن اليونانيين أطفال مقارنة مع المصريين، والإشارة هنا إلى العراقة طبعا، فلا نستطيع إلا أن نصدق، نحن العرب، أن الكرة مصرية. فهل يعقل أن يشيد الفراعنة الأهرام وأن يكونوا عاجزين عن اجتراح هذه الأعجوبة الصغيرة: كرة القدم؟. تكاد كرة القدم أن تكون ديانة قائمة بذاتها. لها معتنقوها والمشككون في رسالتها، لها فروضها وسننها، لها معتدلوها ومتطرفوها، لها سدنتها ومارقوها، لها شرائعها وهياكلها طبعا.الجامعة الدولية لكرة القدم هي المرجع الأعلى للعبة، إنها فاتيكان كرة القدم ورئيسها هو مفتي الديار الكروية. ولقد أصبح لاسمها في المسامع وقع صندوق النقد الدولي ومجلس الأمن.بل إننا نسمع الفيفا عشرات المرات قبل أن نسمع اليونسكو مرة واحدة. اللاعبون الذين وهبوا حياتهم لكرة القدم، فأداروا وجوههم لكل شيء عداها حتى أصبحوا من أولياء اللعبة الصالحين، لهم مريدوهم بالآلاف في الملاعب وبالملايين أمام الشاشات… ولأن الأندية لا تضيع أجر من أحسن لعبا، فإنها تغدق عليهم من الحسنات نقدا وعدًّا وبالملايين طبعا. ومن اللاعبين أصحاب الميمنة وأصحاب الميسرة.ولعل لهم الرجل الطولى في ظهور الجناح الأيمن والجناح الأيسر.أما الذي يجيد اللعب بقدميه معا فيكون حظه أوفر ومكانه أضمن.وبعيدا عن القدم يستطيع اللاعب تداول الكرة برأسه أو صدره مثلا دون أن يستشيط الحكم صفيرا.وحدها اليد محرمة.اليد مبطلة اللعب وكرة القدم هي كرة اللا يد.أما الجمهور، فمنه العبد الضعيف مثلي الذي يكتفي بالتلفزيون، ومنه العبد القوي الذي يعتمد على منكبيه في تدبير مقعد بالملعب، الملعب الذي يكاد أن يكون معبدا للعبة حيث الجماهير تهتف من المدرجات بصوت واحد موحد، فإذا تشجيعاتها تراتيل ترشح عرقا وخشوعا.وإذا كان هنالك متطرفون في اللعبة لدى كل البلدان، ولعل أشهرهم من بلاد الإنجليز، ويقال لهم الهوليغانز، فإن الروح الرياضية هي المعادل الأخلاقي للتسامح في كل الديانات.وكأس العالم، أليس حجًّا؟الديني والأسطوري هما سمتا كرة القدم مع سبق الإصرار، ولنا فقط أن نلاحظ التسميات التالية:أجاكس أمستردام: فأجاكس هو أحد أبطال حرب طروادة، ولابد أن الذين أطلقوا اسمه على النادي ساعة تأسيسه كانوا يعرفون ذلك جيدا.فورتونا دسلدورف: فورتونا هي آلهة الثروة عند اليونان. جوفونتوس: في أساطير الحب والجمال عند اليونان، نقرأ عن لوحة تتوسطها جوفونتوس محاطة بالوصيفات (هل كنَّ سبعا؟) وهن يحملن كؤوسا.ثم من أطلق اسم بيليه على أديسون أرانتيس ناسيمنو؟ فبيليه هو والد آخيل ولقد كان ملكا أيضا.بيليه ملك كرة القدم قام بجولة في آسيا. ولدى عودته إلى بلاده قال للصحافة: في أسيا اكتشفت أنني أشهر من المسيح.وبعيدا عن الأساطير اليونانية، فالأرجنتين أنجبت أسطورة اسمها مارادونا. مارادونا الذي سجل بيده هدفا ضد الإنجليز وحين سئل عن الأمر قال: إنها يد الله. وهو رد صوفي يذكِّر، مع فارق المناسبة، برد آخر: ما في الجبة إلا الله.أفلا يكون ما يخطه اللاعبون بأقدامهم على صفحات العشب كلاما حكيما لا تفهم منه عيوننا القاصرة سوى معناه الفرجوي؟وكما حول قضايا أخرى، فإن للكتاب آراء مختلفة في كرة القدم. فالبيركامو وخوليو كورتازار على سبيل المثال كانا يمارسان اللعبة وهما بذلك عبرا عن رأييهما في الملاعب وليس خارجها. أما البرتومورافيا فقد كان متبرما من كرة القدم، فعشية مونديال 86 ذهب إليه بعض الصحافيين لأخذ رأيه فوجدوه يجمع حقائبه استعدادا للسفر وهروبا من حمى اللعبة التي تجتاح إيطاليا في مناسبة كتلك. كأس العالم لذلك العام فازت به الأرجنتين بفضل مارادونا الذي كان أداؤه لافتا ليس للانتباه فحسب وإنما للشعر أيضا: فقد خصه محمود درويش بنص جميل تناقلته عن بعضها الكثير من المنابر. فمحمود درويش متيم بكرة القدم ولقد عبر عن ذلك في أكثر من مناسبة. ففي إحدى قراءاته الشعرية ذات صيف بمدينة فاس، قدمته إحدى الكاتبات إلى الجمهور بغير قليل من المبالغة، بل بصفات فوق بشرية، ما أثار حفيظة الكثيرين. وحين تناول الكلمة استهلها بشكر الحضور على تفضيله شعره على مباراة فرنسا واسبانيا التي كانت مبرمجة ذلك المساء في إطار كأس أوربا للأمم، ثم أضاف أنه من جهته يفضل أن يتابع المقابلة حتى لو كان من سيحيي الأمسية هو المتنبي. وبكلمته تلك عاد إلى أرض البشر، الأرض الكروية طبعا.وكأن لسان حاله يقول للتي قدمته ما قاله وايتمان لإحداهن ذات قصيدة: “تبسطي معي فأنا والت وايتمان”.أما الذين تستهويهم المقارنة فنهمس في آذانهم بأن لاعب كرة القدم قد يوقع عقدا يفوق عائده المادي قرنا من جوائز نوبل للآداب.

 

المزيد

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button