حديث الإنسان المتمرد

عبد الغني القباج 

السياسة الحقيقية هي التغيير .. والتغيير تناقض وحركة تحول من حال قديم إلى حال جديد .. هذا هو تاريخ الإنسانية الحديث .. لا نستحم في النهر مرتين .. بهذه الجملة لخّص الفيلسوف اليوناني هيراكليس حياة وتاريخ الإنسان ..

أغلب المتمردين والمتمردات أصبحوا ثوريين عندما فهموا فكرة أن “الفلاسفة اكتفوا بتفسير العالم بشتى الطرق، إلا أن تحويله هو الأهم”.. وأصبحوا يرفضون التنافس من أجل تسلق السُّلـَّم الاجتماعي .. لا يملكون سوى أفكارهم .. ويناهضون الملكية الخاصة .. لأن الأرض والطبيعة والحياة ملك لجميع الناس ..
فهمت فكرة التغيير حين شاركت في مظاهرات “حركة 20 فبراير” .. كنت طالبا أحضر إجازة حول الماء في المغرب بكلية الحقوق..
واكتشفت أن أغلبية الناس تريد فهم الواقع ولا تعمل على تغييره..رغم أنهم كانوا يشاركون في مسيرات “حركة 20 فبراير” التي وحدت بين فهم الواقع وممارسة تغييره .. وحتى الأحزاب والنقابات ولأغلب المثقفين لم يفهموا أن التغيير إما أن يكون راديكاليا أو لا يكون .. ولم يفهموا إنه إذا لم يحدث تغيير يقطع مع سياسة الماضي سيستمر الواقع كما كان .. وسيستمر النظام والمجتمع والإنسان كما كانوا ..
لذلك فهمت أن التغيير الراديكالي هو القادر على تغييسر الواقع وإبداع مجتمع جديد ليس خاضعا للاستبداد ويرفض الفساد.. لأن الإكتفاء فقط بفهم هذا الواقع لا يغير الواقع ..
الحكام فهموا الواقع فبلوروا دستور 2011 لا يغير الواقع ليستمروا حاكمين البلاد والعباد والاقتصاد والسياسة والمجتمع ..
منذ مسار “حركة 20 فبراير” إلى الآن أصْطَدِمُ دائما مع سكيزوفرينية جماهير طبقات كادحة ومحرومة في حينا الشعبي .. جماهير كانت تنتفض معنا في “حركة 20 فبراير” وفي وقفات احتجاج ضد الظلم السياسي والاجتماعي وضد هدر كرامتها .. لكنها تخاف من الثورة ولا تخاف من تنظيم نفسها .. لم تَعِ أنه لا يكفي فهم التناقض في الواقع الذي تعيشه ولا تمارس الصراع وفق التناقض .. تناقض بين طبقة تملك كل شيء، السياسة، الاقتصاد، الإيديولوجيا، الأرض، البحر، الجو .. وطبقات لا تملك سوى ما تحصل عليه من كدحها اليومي ..
لذلك أنتقد اليسار الذي يًـتَكْـتِكُ التناقض .. لأنه لا يفعل سوى سد شقوق أعمدة نظام ومجتمع مهزوز ويتوهمون إصلاحه ..
وأجد نفسي في صدام دائم مع سياسة تحاول تكتكة التناقض!! وإصلاح الأعمدة التي يقف عليها التناقض كي لا ينفحر ..!! إنها سياسة تُخَذِّر التناقض الكامن تحت رماد صبر الناس ولا مبالاتهم وخضوعهم ..
الإصلاح وَهْمٌ كصخرة سيزيف، يصعـد بالوهم إلى قمة قبة البرلمان والحكومة .. لكن ما تفتأ هذه الصخرة أن تنزلف وتتدحرج إلى أسفل درجة في السياسة كل خمس سنوات ..
وتُصَابُ حركة التغيير بالشلل .. تَسْعَـدً البرجوازية وتَرْقـُصُ مُـنْـتَـشِيّة وترتفع شراهتها لالتهام أرباح البترول وغلاء المعيشة ..

لذلك أعتبر أن التغيـيـر يُـنَـاقِـضُ الإصلاح ..
التَّغـْيِـير ثـورة وروح براكسيس يفعل ما يقوله .. ويقول ما يفعله..
أما الإصلاح فيقول ما لا يفعله .. ويفعل ما لا يقوله .. رغم أن الواقع يستمر في التَّعَـفـُّـنِ والتفاهة .. والمأساة لم يُـبْـدِعِ هذا الواقع نقاءً وجديدا من جَوْفِـه المتعفن .. ولم يُبْدِع إنسانا وبديلا ثوريا .. فلا زال عامة الناس يغـيـبـون داخل فكر خرافي و سجناء أوهام ديمقراطية ليبرالية مخزنية وتفاهات بنكيران .. أخنوش .. وهبي و”باه لاباس عليه” من دَارْ المخزن .. يتعلمون “لَحْسَانَة فَرْيُوسْ شعب اليتامة” .. شعب يتيم يتمرد ولا يبحث عن طريق تحول تمرده إلى ثورة ديمقراطية..
تمرد محمد طارق البوعزيزي ضد تعفن الواقع وزلزلت جماهير تونس واقعها لكنها لم تمتلك فكرة وتنظيم يقودان التغيير لبنـاء عالم جديد ..
تمرد شباب وجماهير “20 فبراير” .. زلزلوا واقعنا الاجتماعي السياسي .. زلزلوا نظام سياسي سائد وحاكم .. ولم يتحول الزلزال إلى ثورة .. وعدنا إلى عاداتنا القديمة ..
قدري أن أستمر في نـقـد أخْـطَاء يساركم الذي يَدْعُوَ إلى ديمقراطية برلمانية في ظل ملكية دستورية.. لأنكم لم تفهمزا أن الواقع يفرض تغيير واقع جماهير لتحرر نفسها بنفسها وليس لـتفهم وتصف الواقع فقط .. يساركم لم يفهم لماذا استمر نضال إصلاحي ستين سنة بدون تغيير .. لماذا تـتفاض جماهير لم تتخلى عن عباءتها العفوية .. يساركم يتفرج ويمارس بلسانه وليس بتحرر الجماهير لنفسها بنفسها .. لذلك لا زال هذا اليسار يجري وراء وهم “ديمقراطية برلمانية” بعد ستين سنة استمر مخزن يُمخزن البلاد والعباد.

المزيد

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button