الرئيسية » تقافة و فنون » الصين: الطريق الرأسمالي نحو الاشتراكية

الصين: الطريق الرأسمالي نحو الاشتراكية

*عبد الله العلوي

“لايهم أن تكون القطة بيضاء أم سوداء مادامت تأكل الفئران”، هو ذا الشعار الذي رفعه دينغ هيسياوبنغ ضد الرئيس ماوتسي تونغ – الذي كان يرى أن تنشئة الإنسان معنويا وأخلاقيا أهم من المال أو المادة – وذلك بعد الخلافات داخل القيادة الصينية بين جناح ليوشاوسي رئيس جمهورية الصين الأسبق، و ماوتسي تونغ الأمين العام للحزب، ورغم عزل دينغ هيسياوبنغ من القيادة في 1966 وعزله ثانية مرة أخرى في 1975، فقد عاد لقيادة الصين بعد وفاة ماو، وانتهج سياسة الطريق الرأسمالي نحو الاشتراكية. فأضحت قيادة الصين الحالية كلها من جناح دينغ هيسياوبنغ، بعد أن تم القضاء على جناح الرئيس ماو، وإعلان الاشتراكية ذات الخصائص الصينية، وقد أكد الرئيس الصيني الحالي “شي جين بنغ” ذلك أكثر من مرة. ففي خطابه في 12-11-2013 أمام القيادة الصينية قال: «لابد من المثابرة على اتخاذ تحسين وتطوير نظام الاشتراكية ذات الخصائص الصينية ودفع عجلة تحديث نظام حكم الدولة والقدرة على حكمها، هدفا عاما لتعميق الإصلاح على نحو شامل. في عام 1992، أشار الرفيق دينغ هيسياوبنغ إلى أننا بعد ثلاثين عاما أخرى، سنشكل مجموعة كاملة من الأنظمة الأكثر نضوجا وتبلورا في كافة النواحي. وعلى أساس الأفكار الإستراتيجية للرفيق دينغ هيسياوبنغ.».

كما أكد في خطاب عام في 17-09-2013 قائلا: «إن قوس قزح دائما ما يظهر بعد هطول المطر. وكما يقول المثل فإنه ليس هناك جبل يعلو على البشر، وليس هناك طريق يطول على القدم. فالجبل مهما علا، والطريق مهما طال، فإننا بعزيمتنا الأكيدة، سنصل إلى الغاية بلا أدنى ريب، في يوم من الأيام.»

وفي خطاب أمام القيادة قال:« كان الرفيق دينغ هسياوبنغ قد قال إن الثورة ترمي إلى تحرير القوى المنتجة، والإصلاح يرمي أيضا إلى تحرير القوى المنتجة، وبعد إقامة النظام الأساسي للاشتراكية، علينا العمل أيضا على تغيير الهيكل الاقتصادي المقيد لتنمية القوى المنتجة نهائيا، وإقامة هيكل اقتصادي مفعم بالنشاط والحيوية للاشتراكية، سعيا وراء دفع تنمية القوى المنتجة قدما».

عندما تصل إلى الصين -9.640.821 كلم 2- رابع أو خامس دول العالم في استقبال السياح بعد أمريكا، بريطانيا وفرنسا، فإنك سوف تندهش من المفاجأة التي تنتظرك، سواء كنت زائرا لها من قبل أو قرأت عنها أو شاهدت صورا لها أو فلما وثائقيا عن المدن الصينية، فالصين اليوم بلد آخر تماما فالمدن الكبرى تكاد تكون نسخة مطابقة للمدن الغربية، ولم يتبق من صين ماوتسي تونغ (1893-1976) إلا صوره على النقود، وصورته الكبرى المعلقة في ساحة “تيان آن مين” بجوار المدينة المحرمة، وجثمانه المسجى في إحدى الصالات، والصفوف الطويلة التي تروم رؤية جسده المحنط حيث يظهر وجهه فقط من خلال الزجاج.

…. وقد صارت الصين تحتفل في كل سنة بذكرى ميلاد دينغ هيسياوبنغ (1904-1997) أكثر مما تحتفل بماوتسي تونغ. ورغم أن هذا الرجل القصير، الذي خلف الرئيس ماو في قيادة الصين، لم يتول عمليا أي منصب في جهاز الدولة إلا أنه قاد البلاد منذ 1976 إلى غاية وفاته، وأعطاها التوجيه الجديد، هذا التوجيه الذي كان موضوع صراع عنيف بين جناحي الحزب الشيوعي، الذي تأسس في مدينة شنغهاي في 1921، واستطاع تولي السلطة في أكتوبر 1949، بعد دحر قوات الحزب الشيوعي بزعامة الجنرال “شيانج كاي شيك” إلى جزيرة “فرموزا” (تيوان حاليا). والصين اليوم هي بكل المقاييس صين أخرى غير ما حلم به الزعيم ماو. ورغم النمو الاقتصادي الهائل (أكثر من 8 % سنويا) ومظاهر التقدم المعماري و المالي، وظهور السيارات الفخمة و المستوردة وسط سيل من الدراجات الهوائية و النارية، فإن الفوارق الاقتصادية والاجتماعية بدأت تظهر بشكل واضح بين فئات الشعب، كما ارتفع مستوى الجريمة ارتفاعا هائلا، وظهرت جرائم عديدة لم يعرفها المجتمع الصيني من قبل، وغزت الشركات الأجنبية من ماكدونالد إلى البيبسي كولا، إلى السجائر الأمريكية وشركات العطور والماكياج والأزياء، السوق الصينية الضخمة -حوالي مليار و ثلاثمائة مليون نسمة- وكل هذا كان وليد السياسة الجديدة التي اتخذها الحزب الشيوعي الصيني بعد مظاهرات 1989 في ساحة تيان آمين (ساحة أرض السلام)، وهي السياسة التي أطلق عليها “الطريق الرأسمالي نحو الاشتراكية”.

إن الرجوع إلى التاريخ الصيني ولو بنظرة سريعة قد تفسر لنا الصين الحالية، و الصراع بين أجنحة الحزب والثورة الثقافية التي أعلنها ماوتسي تونغ في 16 ماي 1966، والنقد المرير الذي وجهه إلى كونفوشيوس 551-478 ق.م وفكره رغم أن هذا الأخير مات منذ ألفين وخمسمائة عام.

 

 

 

 

 

 

لـمـحـة فـلـسـفيـة و تـاريـخـية

إن الصراع الذي عرفه الحزب الشيوعي الصيني خلال الفترة الممتدة من 1949 إلى 1976، ليس إلا صدى للصراع الفكري و الفلسفي الذي عرفته الصين خلال تاريخها المكتوب الذي يمتد إلى 2850 قبل الميلاد، وحتى قبل دخول البوذية إلى الصين في عام 76 ميلادية، التي جاءت من الهند و اصطبغت بالصبغة الصينية، وكانت هي الأخرى إحدى مدارس الصراع الفلسفي و الفكري الذي عرفته الصين ولا يعرف بداية هذا الصراع بالضبط من الناحية الزمنية، إلا أن الفيلسوف “لوده” أو المعلم القديم واسمه الشخصي “البرقوقة” (لي آي)، (هناك من يرى عدم وجوده أصلا) كان ينادي بكون الحكمة و الجدل مجرد مفسدتين، وأن المجتمع يجب أن يسير على هدي الطبيعة وأن كثرة القوانين والتحريمات و الموانع تؤدي إلى الفقر و الاضطراب الاجتماعي، فالطبيعة عنده نشاط تلقائي كالفصول و تغيير الليل بالنهار وهو لا يهتم بالأشياء، فالحياة يجب أن تكون جزءا من تناغم الكون وأن تسير بشكل طبيعي، وبذلك تكون “الحضارة” مجرد عرقلة للحياة بتعقيداتها وقوانينها وصراعاتها وحروبها. فإذا لم تقاتل الناس فلن يقاتلك أحد، ومقابلة الإساءة بالإحسان هي القانون السلوكي الذي يجب أن تتقيد به البشرية… وهذه الفلسفة هي التي فتحت الصين فيما بعد للبوذية، لأنها تحمل في التوجه العام نفس الأفكار. بينما لم تنفتح للمسيحية التي هي أيضا أقرب للبوذية في تعاملها الإنساني –لأن المسيحية جاءت مع الاستعمار- غير أن الفلسفة “الطاوية” أو فلسفة الطريق لم تصمد أمام التغييرات التي عرفتها الصين، فجاء كونفوشيوس 478-551 ق.م، الذي كان في البداية فيلسوفا شفويا. لقد آمن كونفوشيوس بالعمل الإيجابي وبتحسين وضعية الحكم و إزالة الظلم، بل تولى منصب قاض في إحدى المراحل، ومنصب وزير الأشغال ومكلفا بمحاربة الجريمة، فكان يؤمن بخدمة الناس وكانت فلسفته خلقية و وضعية ، وكان لا يؤمن بالثورة على الوضع بقدر ما يؤمن بتحسين الأوضاع في ظل أية حكومة، وقد خلف تسعة كتب وضعها في آخر أيامه.

ظهرت بعد هذين الفيلسوفين مدارس عديدة إيمانية وحسية حتى جاءت البوذية في عام 76 ميلادية، وقد واكبت المدارس الفلسفية الأسر الحاكمة التي كانت تتخذ من المدارس الفكرية إيديولوجية لها فكانت كل أسرة حاكمة تعتمد فلسفة ما أو عقيدة ما.

وبالرجوع إلى هذه الأسر التي حكمت الصين في العهد الإمبراطوري، والعهود الإقطاعية ثم خلال سيطرة المغول، يتضح أن أول حكومة صينية حكمت من القرن 21 إلى القرن 17 ق.م وسيطرت على جزء هام من الصين، وكان أول ملك لها يدعى “ياوي”. ثم عرفت الصين في الفترات التالية حكومات قوية وأخرى ضعيفة. وعرفت حكم أمراء المناطق و الإقطاعيات ذات السلطة المطلقة والنسبية حسب قوة وضعف الأسر الإمبراطورية. وكانت إمبراطورية شنيغ آخر الأسر المالكة (1636-1912) وكان آخر إمبراطور صيني هو “يي” الذي انتهى بستانيا في المدينة المحرمة حتى وفاته في مطلع الستينات.

الــمــرحـلـة الجــديــدة

تطورت الصناعة و التعدين و استغلال المناجم والزراعة تطورا مطردا خلال القرنين 16/17، و عرفت التجارة الخارجية ازدهارا كبيرا خصوصا مع روسيا القيصرية و البرتغال وهولندا واسبانيا التي بدأت تتخذ – بسبب قوتها البحرية- الطريق إلى الصين، كما أن شركة الهند الشرقية الذراع الاستعماري لبريطانيا بدأت تؤسس لها نفوذا في المنطقة خاصة بعد عام 1793. كانت الصين غنية بالمواد التي يحتاجها الغرب، ولم يكن الغرب مستعدا للشراء بشكل عادي أو المبادلة، ففرض على الصين شراء الأفيون مقابل ثروته- ومن المضحك المبكي أن الغرب حاليا يحارب العالم النامي على تجارة المخدرات -وكانت حرب الأفيون الأولى في 1839-1842، وانهزمت فيها الصين وفرض عليها التعويض وشراء الأفيون. وكانت طلائع الاستعمار مرفوقة أو مسبوقة بالمبشرين بالمسيحية، لذلك فإن المسيحية لم تجد لها أتباعا كثرا في الصين. أما الحرب الثانية لبيع الأفيون وفرضه على الشعب الصيني هو ما أدى إلى التدمير الفكري والاقتصادي والاجتماعي والصحي لأفراده فوقعت بين 1856-1860، حينها أرغمت الحكومة الصينية على توقيع معاهدات غير متكافئة منها التعويض وشرعية تجارة الأفيون التي كان يمارسها الأوروبيون ضد الشعب الصيني وذلك في 1859.

بدأ التاريخ الصيني الجديد مع تأسيس عدة جمعيات سياسية لمحاربة الاستعمار والنظام الإمبراطوري المتهم على نطاق واسع بالفساد، وأسس أهم حزب في تاريخ الصين الحديث، وهو الحزب الوطني بزعامة صن يان صن (توفي عام 1925) أول رئيس لجمهورية الصين. وقد بدأت أيضا مطامع اليابان –(البلد الفقير من ناحية الموارد وصاحب القوة العسكرية الأكبر في آسيا)- تعرف طريقها إلى الصين. فنشبت أول حرب يابانية – صينية في عامي 1894 و 1895، وفيما بعد احتلت اليابان منشوريا ونصبت حكومة عملية لها وبدأت في استغلال المنطقة على نطاق واسع وبشكل رهيب، وهو نفس الأمر الذي تسابقت إليه الدول الغربية: بريطانيا وفرنسا وروسيا القيصرية والبرتغال وهولندا واسبانيا إلى أن قاد الحزب الوطني الصيني بزعامة صن يات صن وساعده فيما بعد الحزب الشيوعي الحرب الوطنية ضد الدول الغربية المستعمرة واليابان، وبذلك تحررت الصين من الأجنبي و بدأ الصراع بين الحزبين إلى انتصار الحزب الشيوعي في أكتوبر 1949، الذي عرف هو الآخر الصراع بين جناحيه على نفس الأفكار التي كانت محل نزاع بين النخبة الصينية عبر تاريخ الصين.

مــاو و أســباب الــثورة الثـقـافـيـة

في 16 ماي 1966 أصدرت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني قرارا بإعلان الثورة الثقافية في الصين. كان الحزب قبل هذا التاريخ قد وصل إلى مستوى من الصراع العنيف بين جناحيه الرئيسين، الأول بقيادة الرئيس ماوتسي تونغ الأمين العام للحزب، والثاني بزعامة ليوشاوسي رئيس الجمهورية عضو المكتب السياسي….وكانت أغلبية أعضاء المكتب السياسي من الجناح الثاني. ورغم تأثير ماو، الذي قاوم بشدة النزوع الرأسمالي وتأسيس مدارس خاصة لأبناء أطر الحزب، إلا أن جميع قرارات المكتب السياسي كانت ضد توجهاته، وقد حسم قرار اللجنة المركزية التي تدين بالولاء لماو في أغلبيتها الصراع، وساعد على ذلك الجيش بقيادة وزير الدفاع “لين بياو” كان مع توجه ماوتسي تونغ (الرياح الشرقية). كانت الثورة الثقافية إعادة لكل شيء في الصين تربويا و اجتماعيا وتاريخيا وفلسفيا. وتم توزيع ملايين النسخ من الكتاب الأحمر الذي يضم مقتطفات من توجيهات الرئيس ماو، وسرعان ما أطيح بقيادة الجناح “الزوزي باي”، كما كانت جرائد الحائط تنعت زعماء الجناح المناهض لتوجيهات ماو. والذي كان جناحا قويا لم تهتز أركانه إلا بفعل الثورة الثقافية، وانخراط المجتمع الصيني فيها. انتقد ماو دائما النزوع نحو الحوافز المادية بدل الحوافز المعنوية، وانتقد التمييز الطبقي بين أبناء الشعب الصيني في المدرسة والمأكل والمشرب، كما انتقد بشدة “الباليات” كفلسفة كونفوشيوس والعوائد القديمة الأربع. وفي عز الثورة الثقافية غاب لين بياو عن المسرح السياسي، وكان قد عين خليفة لماو، وقيل إنه حاول الانقلاب على الرئيس، وإنه قتل بسقوط طائرته أثناء هروبه للاتحاد السوڤياتي. ثم بدأ وهج الثورة الثقافية يخبو وتم عزل بعض زعمائها واستقبل نيكسون الرئيس الأمريكي من طرف الرئيس ماو في مطلع السبعينات. ومن الملاحظات الأساسية أن جميع قادة الجناح الآخر في الحزب الشيوعي باستثناء “شوا أن لاي” رئيس الوزراء الذي ظل رئيسا للحكومة طوال الثورة الثقافية بدعم من الرئيس ماو، رغم أن بعض جرائد الحائط أشارت إليه كأحد عناصر “الزوزي باي”. وكان “دينغ هسياوبنغ” سكرتير اللجنة المركزية، عضو المكتب السياسي قد شمله التطهير مع بداية الثورة الثقافية وتم وضعه في أحد مراكز إعادة التأهيل الفكري، إلا أنه عاد إلى السلطة في عام 1974 وشرح من على منبر الأمم المتحدة نظرية ماو الجديدة حول العوالم الثلاثة وملخصها أن العالم ينقسم إلى:

العالم الإمبريالي بقيادة الولايات المتحدة.

العالم الاشتراكي التحريفي : الاتحاد السوڤياتي.

العالم النامي وضمنه الصين.

إلا أن وفاة شوان لاي في 1975 أدت إلى التطهير الثاني “لدينغ هيسياوبنغ” وصعد إلى رئاسة الوزراء هواكفنج.

وفي شتنبر 1976 توفي ماو، أقدم هواكفنج على اعتقال أعضاء المكتب السياسي الأربعة، بما فيهم أرملة الرئيس ماو السيدة جيانغ، وذلك بمساعدة رئيس الحرس الجمهوري فيما سمي “عصابة الأربعة”، لقد ساعد جناح هيسياوبنغ هواكفنج في ضرب وتصفية جناح قادة الثورة الثقافية الذين حوكموا بالسجن المؤبد، وماتت جيانغ بعد سنوات، وهي التي أكدت أثناء المحاكمة أنها تحتقر دينغ هيسياوبنغ، ولا يعرف مصير الآخرين. بذلك تم إسدال الستار على الثورة الثقافية وسيطر جناح “الزوزي باي” في الحزب على السلطة و أصبحت الثورة الثقافية تنعت رسميا بسنوات الاضطراب العشر.

 

ديـنـغ هيـسـيـاوبـنغ

يعني الاسم في الصينية “السلام الصغير”. انضم الرجل الذي كان أشهر قصير في التاريخ الصيني إلى الحزب الشيوعي بعد تأسيسه في عشرينيات القرن الماضي، وشارك ماو في المسيرة الكبرى، وصعد إلى القيادة في الحزب وأصبح عضوا في المكتب السياسي، وسكرتيرا للجنة المركزية. وعندما استعر الخلاف بين جناحي الحزب كان يقول: لا يهم أن تكون القطة بيضاء أو سوداء مادامت تأكل الفئران، و القصد أن جميع الطرق يجب استغلالها للوصول إلى الرفاهية الاقتصادية، وهو الأمر الذي يعارض فكر الرئيس ماو الذي يؤمن بخلق إنسان صيني جديد، وأن هذا الهدف السامي أهم من الوصول إلى أهداف مادية بطرق براغماتية أو نفعية، لذلك كانت جرائد الجدران في الصين تنعت دينغ “الزوزي باي” الثاني، وكان الأول هو رئيس الجمهورية الأسبق ليوشاوسي. وقد تمكن قادة الثورة الثقافية من عزل “دينغ هيسياوبنغ” مرتين: في الستينات ثم في السبعينات ، وكان الرجل مستميتا في التمسك بالحياة عاش طويلا، وعندما عاد إلى السلطة بعد وفاة ماو وخلال مؤتمر الحزب في 1978 عندما عزل هواكفنج وأحيل عضوا على اللجنة المركزية، انطلقت الصين في الطريق الجديد. لم يتول دينغ مناصب عليا في الدولة، لكنه كان الزعيم الفعلي للصين خلال المرحلة التي تلت ماو، وفي 1989 عندما بدأت المظاهرات العنيفة و الاعتصامات التي قادها الطلاب ودعمها الغرب ماديا و إعلاميا. كان دينغ رئيسا للجنة العسكرية للحزب، واتخذ قرار وأد هذه المظاهرات التي كادت تؤدي إلى الإطاحة بالنظام الشيوعي في الصين. إلا أنه تم الأخذ بتوجيهات دينغ للحزب الممثلة في إعادة الاعتبار للمبادرة الفردية ولو في إطار محدود، وفي خلق هامش من الحرية الفكرية و الدينية و السماح بممارسة الطقوس وفتح المجال للاستثمارات الأجنبية وخلق قطاع خاص. و من ثم عرفت الاستثمارات الغربية طريقها إلى الصين، التي تشهد نموا اقتصاديا في حدود 9% سنويا، و تستورد حاليا من الإنتاج العالمي: 55% من الأسمنت و40 % من الفحم و 25% من الفولاذ و 25% من النيكل و 14% من الألومنيوم، وتعتبر البلد الثاني في استيراد النفط بعد الولايات المتحدة الأمريكية.

و بالإضافة إلى أن الصين قوة نووية منذ 1964، فإنها تعتمد هذه الطاقة في كثير من برامجها الطاقية، ومن المنتظر في 2020 أن تتجاوز أمريكا و اليابان في استيراد النفط. إلا أن هذا التقدم الصناعي و المالي، الواضح عيانا لأي زائر للصين التي تستقبل حاليا أكثر من 50 مليون سائح سنويا، له ثمن فادح ، فقد ظهرت الفوارق الطبقية متجلية في الأجور المتدنية في القطاع العام و المرتفعة في القطاع الخاص، وفي السكنى والمدارس، وحتى في الدراجات العادية التي كانت تحفل بها الشوارع، وبدأت السيارات الوطنية و المستوردة الفخمة تتملك هذه الشوارع. كما ارتفع مستوى الجريمة وظهر الفساد المالي واستغلال النفوذ في الإدارة و في الحزب. وأصبحت القيم الاستهلاكية تعرف انتشارا فظيعا في الصين، فجميع دور العطور و اللباس الغربية فتحت فروعا لها في المدن الصينية، كما أن مطاعم الأطعمة الجاهزة : ماكدونالد ومشروب البيبسي والكولا وغيرها، تنتشر في كل زوايا المدن الصينية بوفرة، بالإضافة إلى كون الصين صارت تعتبر الملوث الثاني للبيئة في العالم بعد الولايات المتحدة؛

…إذا كانت الثورة الصينية في 1949 قد أعطت الشعوب أملا جديدا في خلق إنسان جديد، وأدت إلى جعل الصين بلدا قادرا على تغذية نفسه بدل خروجه للعالم – وما أدراك ما خروج مئات الملايين- فإنها الآن بعد ان اختارت الطريق الرأسمالي للوصول إلى “الاشتراكية”، قد خلقت وضعا جديدا يشكل خطرا اقتصاديا على البلدان الرأسمالية – وهو أمر ايجابي نظرا للمنافسة المرتبطة بسلع جيدة بثمن رخيص جدا، إلا أنها خلقت مشكل الاستهلاك الباهظ الثمن للطاقة و للمواد الخام و التأثيرات الهائلة على البيئة…. ولكل شيء ثمن.

مـــــراجـــع:

حول تاريخ الصين انظر موجز تاريخ الصين دار النشر ببكين باللغات الأجنبية 1985.

انظر الثورة التي لم تتم اسحاق دويتشر دار الطليعة بيروت 1976.

انظر قصة الحضارة وول ديورانت الجزء الثالث من المجلد الأول إصدار جامعة الدول العربية اللجنة الثقافية.

انظر الأعمال غير الكاملة لماوتسي تونغ مؤلفات ماوتسي تونغ المختارة 1970 دار النشر باللغات الأجنبية بكين.

المسلمون في الصين فهمي هويدي كتاب العربي 1980.

انظر تحفة النظار في غرائب الأمصار دار الكتب العلمية الطبعة 1، 1987 ابن بطوطة.

حول الرأي الرسمي في الثورة الثقافية انظر الصينيون المعاصرون عالم المعرفة الكويت العددين 210-211 لمؤلفه ووبن.

حول المسلمين في الصين انظر ماركوبولو رحلات ماركوبولو – سلسة الألف كتاب، الهيئة المصرية العامة للكتاب 1996 ترجمة عبد العزيز جاويد عن الإنجليزية.

أنظر أفكار حول تعميق الإصلاح لشي جين بينغ ترجمة مصلحة التأليف و الترجمة المركزية بالحزب الشيوعي إصدار أطلس للنشر 2017 مصر.

*باحث

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *