آخر الأخبار

وَا نُوضُوا آللّݣّاطَات

وَا نُوضُوا آللّݣّاطَات

لاَقطات السّنابل في حُقول الأثرياء  les glaneuses

حسن الرحيبي 

حَصَائد مُترامية بالقرب من « ݣيَع بنسَالم » أو بيادر بنسَالم على أطراف دواوير الصّديݣات والكرادّة … نساء فقيرات يسقن قطعاناً من المواشي وجَحافل من الأطفال شبه عراة التصقت على وجوههم طبقات لزجة من المُخاط أخضَر اللّون تتحلّق حوله أكوام من الذّباب الجائع …في انتظار إعطاء المرحوم ولد بوعلام انطلاق دخول لقّاطات السنابل بعد جمع غمار المطّ وإفساح المجال للمواشي للرّعي بحصيدة السطاهر المليئة ببقايا سنابل القمح الطّافحة . أو حصَائد سّي بوشعيب الغنية ..حين ينادي بّا الجّيلالي ولد قدّور بصَوت أجشّ ، بسبب تآكل حنجرته بفعل سنوات طويلة من برم وتدخين مسحوق تبغ الطّاجرينا أو الكوبّا الخانق للأنفاس : وا نوضُوا آللّݣّاطات ! هجوم كاسح من نساء شرسات لا يتردّدن ب «بتلييع » أطفالهن الأشقياء بقرصَات لاذعة بمخالبهن القاسية والحادّة.. كي يسرعوا للإتيان على الأخضَر واليَابس كالجراد المنتشر لشدة الفقر واستغلال فرصَة الحصَاد لجمع قوت السّنة كلّها …بعضُهن لا يتورّعن من نتف وانتزاع أكوَام الزّرع من فوق ظهور الجمال المتمَايلة بتثاقل من فرط الحمل الثّقيل للنّݣلة أو الرّفدة المتجهة صوب البيادر. .إحداهن ألقت بأختي زهرة بظهرها وانطلقت مسرعة نحو الحصيدة لا تلوي على شيء بسبب التّشابه في ألوان الرؤوس ، وعدم وجود الوقت الكافي للتفكير والتّروّي …ولد رقيوّة رجل قصير من أيّير بزوجتين اثنتين رغم ضَآلة حجم جسمه وإملاقه الشّديد ..ينادي على أمه رقيوَة بنت الباتول كي تسرع في الالتقاط قبل فوَات الأوان : وا دَادا ! وا دَادا ! يضحك الجميع لغرابة الموقف دون أن تتوقف الأيادي الخشنة والأصَابع الماهرة عن النّبش لالتقاط السنابل ، وحزم « الشّوّاط » بمهارة ورشاقة نادرتين ..خفّة ومرونة ودُربة تعلّموها من مرارة العيش وصُعوبة الحياة ومبدأ « البقاء للأصلح » : to be or not to be … ݣروَاضَة بفمها الأدرد ووجهها المتجعّد ..لا تتوقّف عن الثّرثرة وإطلاق لسانها على عواهنه : آويدي آويدي … تحكي باسترسال متوَاصل بلا كلل ، عن زمن غابر حين كانت متزوجة باحمد غرنيط البحياوي ..لا يفهم الجميع معظم ما تقول بسبب سرعة خروج الألفاظ من فمها الفارغ على عروشه ليستغلّ أحدهم الموقف ويجبرها على قول : يحيى المَلك ! تقولها بشكل مَعيب : ح…ىٰ المَلك ! فتندلع ضَحكات مسترسلة من كلّ أطراف الحقل . تجنح الشمس للمغيب خلف تلال الطّالوع ولݣوايل ، تزحف ظلمة المساء لتغمر الحقول شيئاً فشيئاً ، وتهبّ نسائم باردة من جهة المُحيط يسمّيها الأهالي « برد حصَاد الشّعير » أو السبالات . . تحمل مامّا قفّتها وقد طفحت سنابل ذهبية …تتبعها دادا فريحة والجميع وقد امتطوا دوابّهم أو سيراً على الأقدام حفاةً دون أن ينال منهم وخز أشواك الجّرنيج الحادّة شيئاً… ثغاء الأغنام وصَهيل البغال ونهيق الحمير ينبعث من كل مكان .. يتحرش حمار خالي احميدة طويل القوائم بأتان خالتي رحمة التي تحاول ثنيه عن الاعتلاء فوق ظهرها مهددة إياه بعصَا غليظة ، يخوض الجميع في مشاهد مسرحية هزلية ينخرط فيها الكل رجالاً وأطفالاً ونساءً وحيوانات .. يدافع خالي احمد عن دابته المتوحشة الشّرسة التي تصمد للضّربَات وتقضي وطرها عنوة : اتّي اݣعدي وازݣاي آرحمة خليه يݣلَع غرته ! أعععععع ! ! يمتطي خالي احميدة الحمار ملقياً برفيقة دربه خلفه رغم احتجاجها لغرابة المشهد :

اتي زيدي واسكتي ياك احنا عازوافرية ؟
ينتظرهم عشاء ساخن من كسكس الذرة اللّذيذ . في الصّباح تنتظر مامّا طلوع شمس الصّيف القائظة لتسخين الشّوّاط ودقّه وحمله لطاحونة ولد بلبريبري..لتكون حصّة من « الكرون » السّاخن بانتظارنا في نفس اليوم !