آخر الأخبار

هل تم تغييب حقوق المرأة و حماية الأسرة

هل تم تغييب حقوق المرأة و حماية الأسرة
وعود ، ورسالة ملكية و غياب حكومة فتضحية بالأسرة

إدريس الأندلسي

استبشرت كثير من الفعاليات بالمبادرة الملكية التي سجلت إرادة دولة من أجل إنصاف و عدل و انخراط مغربي في منظومة عدالة تبعد بلادنا عن منطقة رمادية في مجال ضمان حقوق أسرة و تضمن حياة كريمة لكل مكوناتها. كان خطاب ملك البلاد في 30 يوليوز 2022 واضحا الأهداف و موجه لكل المغاربة دون استثناء. و كان أكثر وضوحا في وضع المصلحة العليا و الفضلى للأطفال في أعلى مدارج سلم الأولويات الإجتماعية. قال الضامن لتوازن السلطات، و العارف بأهمية توازن الحقوق و الواجبات بين رب الأسرة، و ربة الأسرة أن أهم قاعدة هي تلك التي تضمن التوازن داخل الأسرة ، وأكد أن الإصلاح ضروري و أنه سيتم باتخاذ ما يلزم من مقتضيات لا ” تحل حراما و لا تحرم حلالا “. و انطلق مسلسل التشاور سنة 2023 ليتم تتويجها سنة 2024 عبر مقترحات تجاوزت المئة تضمنها تقرير اللجنة التي كلفت بمشروع الإصلاح. و تمت إحالة القضايا التي تتطلب رأيا شرعيا إلى المجلس العلمي الأعلى. و لا زال مشروع الإصلاح في قاعة الإنتظار منذ 2025 و لا يعتبر أكبر المتفائلين و المتفائلات أن تقدم الحكومة مشروع التعديل للبرلمان قبل نهاية الولاية الحالية. و ستظل مظاهر هشاشة بنية الأسرة و نتائجها المتواصلة في ازدياد، و سيظل ضحايا الإطار الحالي للحضانة و النفقة ، و زواج القاصرات و تقاسم الثروات المكتسبة بجهود الزوج و الزوجة يتكاثرون إلى ” أن يقضي الله أمرا كان مفعولا ” . و لا زالت جمعيات المجتمع المدني المدافعات عن حقوق الأسرة تنتظر أن تتحرك الحكومة و احزابها التي أكدت ، بعدم فعلها، أنها لا تولي قضية الأسرة الأولوية التي تمليها الأوضاع السلبية التي تسيء للمصلحة الفضلى للأطفال.
وجب التذكير بأن حركة إصلاح مدونة الأسرة انطلقت سنة 2004 عبر مسيرة مؤسساتية نحو تصحيح مسار العدل و العدالة في إتجاه المساواة بين الرجل و المرأة في الحقوق و الواجبات. تم الحد من تسلط ” ذلك الذكر” المهيمن على مستقبل الأسرة، و ذلك الذي يقرر متى شاء أن يرمي بالأطفال و أمهم خارج بيت كان يحضنهم. و بعد كل ما اقترفه، يمكنه إعادة جرمه بالتزوج بثانية و ثالثة و رابعة. و كثيرا ما يجد البعل سندا من طرف حماة فكر رجعي يرى في كل إصلاح تهديدا للأسرة و لمؤسسة الزواج، و لعزوف ” الذكور ” عن تكوين الأسر و لكل ما يشهده المجتمع من هشاشة. و يأتي تقرير المندوبية السامية للتخطيط ، الذي تم الإعلان عنه يوم 8 ابريل 2026 ، ليؤكد أن التحولات التي تعرفها مؤسسة الأسرة ، و التي وصفت بكونها هيكلية و ذات طابع إجتماعي و اقتصادي ، تعد العامل الأساسي في زيادة حالات الطلاق، و تأخر الإقبال على الزواج، و تراجع نسبة الخصوبة . و يشكل هذا التقرير صفعة لمن يرون في إصلاح مدونة الأسرة تلك الشماعة التي تعلق عليها كل اعطاب المجتمع.
دخل العقل بكثير من الحذر إلى مدونة الأسرة بعد 2004. و تم تسجيل البدء في إصلاح العلاقات داخل الأسرة في مغرب يتوق إلى الولوج إلى مراحل الاقتصادات الصاعدة التي تبني بذكاء و قدرات المرأة و الرجل في كل المجالات. و لا يمكن تجاهل تلك الصدمة التي تلقتها القوى الرجعية التي تربط وضوح صوت المرأة بتراجع ” خطير ” ضد كل الديانات و الأعراف و التقاليد و المبادئ ” الشرعية”. و تجهل الكثير من هذه الأصوات الرجعية، و قد تتجاهل، أن المبادئ التي شكلت البنيات القيمية لكل الديانات الحقيقية لا يمكن أن تجعل من المرأة كائنا إنسانيا من درجة سفلى. و كانت إرادة الدولة فاعلة في صياغة المواد القانونية لردع تزويج القاصرات، و لو نسبيا، و الحد من حرية متخلفة في مجال التعدد، و في اخضاع الطلاق لشروط تضمن أقل الشروط الضامنة لكرامة النساء.
و مرت حوالي عشرون سنة على الإصلاح الأولي لمدونة الأحوال الشخصية، و التي لبست ثوبا مؤسساتيا جديدا جعلها تحمل إسم ” مدونة الأسرة “. تحسنت بعض شروط ضمان العدالة في تدبير مشاكل العلاقات الزوجية المؤدية إلى الانفصال. و لكن تنزيل مدونة الأسرة بين بالملموس أن الحاجة إلى تصحيح و توضيح القانون تتطلب البحث عن آليات عدالة حقيقية تسد كل الثغرات، أو أغلبها، لحماية الأسرة و الحد من السلطات التقديرية للقضاة في عدة مجالات. و يتعلق الأمر بتحرير المرأة من سلطة طليقها في السيطرة على حقوقها في استخراج أبسط الوثائق كجواز السفر للمحضون، و نقل الأبناء من مدرسة إلى أخرى. و يزداد الأمر ظلما حين تحرم الأم من زواج تحت التهديد بالحرمان من الحضانة ،في الوقت الذي يكون فيها الزوج قد تزوج عدة مرات ، و أعاد إنتاج سلوكات لا قدرة على مواجهتها بالحجة القانونية.
و يظل إسقاط الحضانة أمرا سهلا بالنسبة للزوج. و تظل الزوجة التي ضحت بسنوات شبابها من أجل تربية أطفالها عرضة لاستهتار ” قانوني ” شكلي، و مسنود بتقارير شكلية قد تعتمد على تزوير وضعية رفض زيارة الأب رغم تأخر حضوره الأسبوعي بساعات. قال ملك البلاد، و ضامن التوازنات المؤسسة لمجتمع لا يضر حقوق الطفل الإنسان أن هناك حاجة ماسة إلى إعادة النظر في مدونة الأسرة. و قد وضع إطارا مؤسساتيا لضمان تصحيح مسار الإصلاح ضمن مشاورات بين الحكومة و البرلمان و و المجلس العلمي الأعلى، و المجلس الوطني لحقوق الإنسان. و لم يتوان المجلس العلمي في التعبير عن موقفه. و رغم توصل الحكومة بكل ما كانت تنتظره، فقد تعطلت آليات تفاعلها مع قضية مركزية تهم مستقبل الأسرة في المغرب. و ظلت كثير من المنظمات النسائية تطالب بتسريع وتيرة التفاعل مع التوجيهات الملكية. و لكن الطبقة السياسية التي تدبر أغلب شؤون بلادنا بكثير من الاستهتار ، لا زالت ترزح تحت معركة البحث عن مواقعها مستقبلا. و ستظل معاناة المرأة و الأسرة في الصف الأخير من أولويات حكومة فقدت السيطرة على رغبات من يدبرون الشأن العام.
ستذهب الحكومة إلى حيث نشاء أو حيث تشاء. و ستجد الأم الحاضنة مشاكل كبيرة لكي تحصل على رخصة أب ، تخلى عن مسؤولياته، لكي تغير مدرسة أبنائها لسبب من الأسباب. و ستظل ملايين الأمهات الحاضنات بدون قوة دفاع عن حقوق أبنائهم في السفر، و في نفقة تخضع لسلطة تقديرية للقاضي، و للكثير من التماطل في أداء النفقة. و ستحرم المرأة من العيش الكريم، و إعادة تكوين أسرة لأن ” الحيوان البعل ” يحميه القانون ليزيد من حقوقه على الزواج من ” مثنى و ….” . و ستظل حكومة اخنوش أكثر الحكومات عداء لإصلاح مدونة الأسرة. و يمكن القول بأن حكومة التقنوقراط، و رجال الأعمال، و حماة مصالح الطبقات المستفيدة من أموال الشعب لا يهمها أن تسود العدالة تلك العلاقات التي تضمن التوازنات الشرعية و الإجتماعية داخل الأسرة المغربية. قالت الحكومة و أحزابها ” سكوتا سكوت… إننا لن نفعل شيئا ” و لهذا وجب الإقرار بأن الإصلاح يتطلب محاسبة من خذل الشعب بكثير من الدقة و الفضح الدمقراطي.