إبراهيم حيمي
كان يفترض أن تكون مخافر الشرطة عنواناً للأمن، فإذا بها في بعض الوقائع المؤلمة تتحول إلى عناوين للغموض. شاب يدخل باحثاً عن إجابة، أو مشتبهاً به في سؤال، أو حتى مجرد عابرٍ في دفتر المحاضر، ثم يخرج خبراً عاجلاً، وجثةً باردة، وتقريراً ملتبساً. أي مفارقة هذه ؟ .
المؤسسة التي يُفترض أن تحمي الحق في الحياة، تصبح موضع سؤال حول الحياة نفسها. ليست القضية حادثاً معزولاً، ولامناسبة للمزايدات، بل سؤال وجودي في صميم الدولة الحديثة: هل الأمن وظيفة لحماية الإنسان، أم آلية لإدارته؟ هل المحضر وثيقة قانونية أم شهادة وفاة مؤجلة؟
في الدول التي تحترم نفسها، لا يُقاس الأمن بعدد الدوريات ولا بصرامة البلاغات، بل بقدرة المؤسسة على حماية أضعف من بداخلها: الموقوف، المشتبه، المتهم، لأنه ببساطة إنسان، قبل أن يكون رقماً في سجل، الخطير ليس فقط أن يموت شاب داخل مخفر، بل أن يصبح الخبر عادياً.
أن نتعامل مع الموت الإداري كأنه تفصيل جانبي في نشرة الأخبار. أن يُختزل الحق في الحياة في عبارة: “فتحت المصالح المختصة تحقيقاً”. أي تحقيق يعيد الحياة؟ وأي بلاغ يمسح شكّ الأمهات اللواتي يودعن أبناءهن أمام باب الإدارت “الامنية” ، لا أمام باب المقبرة؟ إذا كانت الدولة الحديثة تقوم على العقد الاجتماعي، فإن أول بنوده غير المكتوبة : من يدخل مؤسسة عمومية حياً، يخرج منها حياً. وما دون ذلك ليس حادثاً، بل خلل في معنى السلطة ذاته. المسألة ليست ضد جهاز، ولا ضد رجال أمن يؤدون واجبهم بشرف، بل ضد فكرة الإفلات من المساءلة. لأن الأمن بلا محاسبة يتحول إلى قوة، والقوة بلا رقابة تتحول إلى خوف، والخوف حين يستقر في النفوس، يهدم الثقة التي يقوم عليها الاستقرار. فهل أصبحت مخافر الشرطة طريقاً إلى الآخرة ؟ أم أننا فقط نحتاج إلى شجاعة الاعتراف بأن حماية الحياة يجب أن تكون فوق كل اعتبار، وأن الكرامة الإنسانية ليست شعاراً في الدستور، بل امتحاناً يومياً داخل الجدران الرمادية؟ الجواب ليس في البلاغات، الجواب في الحقيقة.
والحقيقة وحدها تعيد الطمأنينة لوطنٍ لا يريد أن يخاف أبناؤه من بابه ..حتى لو رفع هذا البلد شعار : ” دولة الحق والقانون ” .
